محرك البحث اللاديني المواقع و المدونات
تصنيفات مواضيع "مع اللادينيين و الملحدين العرب"    (تحديث: تحميل كافة المقالات PDF جزء1  جزء2)
الإسلام   المسيحية   اليهودية   لادينية عامة   علمية   الإلحاد   فيديوات   استفتاءات   المزيد..
اصول الاسلام  تأريخ القرآن ولغته  (أخطاء علمية / ردود على مزاعم الإعجاز في القرآن والسنة)  لاعقلانية الإسلام  العدالة والأخلاق  المزيد..

17‏/01‏/2008

أحجيات دينية

لم يخطر ببال موسى وهو يكتب الألواح في منتجعه الجبلي في سيناء أن ما سيكتبه سيقدر له البقاء لأربعة آلاف سنة، وسيتخذ شريعة يتعبد بها مئات ملايين اليهود عبر القرون... كما لم يخطر ببال عيسى أن مغامرته النبوية التي لم تتجاوز العامين ستصبح مصدر إلهام لمليارات البشر.. ولم يخطر لمحمد أن كل حركاته وسكناته وحتى نزواته وانفعالاته الشخصية، ورغباته وعداواته البشرية ستصبح أقانيم مقدسة لدى مليارات المسلمين لمدة لا يعلم أحد مداها.. ولم يهتم محمد حتى بكتابة القرآن حتى أنقذه عمر بن الخطاب من الضياع بعد هلاك كثير من الحفاظ في "حروب الردة".. أما سنة الرسول فقد صح عنه النهي عن كتابتها خشية أن تختلط بالقرآن!!


لو كان هؤلاء "الأنبياء" يعلمون أن تأثيرهم سيمتد مكاناً وزماناً عبر القرون والقارت لربما اهتموا بمراجعة كل أقوالهم وأفعالهم وكل ما نسبوه إلى الله ليزيلوا منها هذه التناقضات، ولكن التناقضات يمكن أن تزال من نظرية لم تختلط بالواقع ولم تتعامل مع حياة البشر، أما ما خالط الحياة اليومية فلا مناص من التغيير والتبديل فيه لموائمة ما يستجد من أمور، ويظل إلباس هذه النصوص ثياب القداسة نوعاً من الشعوذة اللفظية ليس إلا يتخصص فيه أصحاب الأديان عامة ويتفوق فيه المسلمون على غيرهم.

ورغم أن آلاف الأتباع من كل الأديان سخروا حياتهم وأقلامهم لتفسير هذه التناقضات وتبريرها كما فعل الحاخامات وعلماء اللاهوت والفقهاء والمفسرين، إلا أن بعض هذه التناقضات متجذر في عمق النص كما يتغلغل السرطان في خلايا الجسد بحيث لا يمكن إزالته إلا بإزالة عضو الجسد المصاب.. وتظل هذه التناقضات مثار تساؤلات وشكوك المفكرين، ومعالم واضحة تبرز بشرية هذه النصوص وبراءتها من الانتساب إلى أي قوة فوقية كانت أم سفلية.

ورغم أن المتدينين يفضلون عدم التوغل في هذه التناقضات خشية أن يتزلزل إيمانهم، إلا أنهم إذ يعجزون عن تفسيرها يطلبون من المتسائلين أن يتدبروا في معناها عسى أن يزول هذا التناقض بطريقة أو بأخرى.. والتدبر كما يعرفونه هو التدبر في الكون وفي القرآن، أو كما يفضل بعضهم التنطع بالقول: التفكر في كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور.. وفي ثقافة سوق عكاظ التي تبيع الكلام وتشتريه لا تتوقع من التدبر أن يذهب الى أبعد من هذه البهرجة اللفظية.. فالتدبر عندنا ما هو الا رقية تعمل بطرق غامضة غير مفهومة، ولا تستطيع ان تعرف متى ستفعل فعلها ومتى ستتوقف ولا ماذا ستنتج..

ولا أكاد أتذكر عدد المرات التي انتفض فيها احد المشايخ أو الدعاة طالباً مني التدبر وناعتاً إياي بعدم الفهم، ومشهراً في وجهي آية "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"..

وأنا لا أتصور أن عاقلاً يغضب إذا طلب منه أن يتدبر، ولكن والمشكلة هنا أن التدبر لن يقودك بالضرورة الى النتائج التي قررها المشايخ سلفاً، بل سيقودك في غالب الأحيان الى اتجاه آخر لا يرضى عنه المشايخ وعندها سيتهمونك مجدداً بعدم التدبر أو بعمى البصيرة.. فالتدبر عند المشايخ لا يكون مثمراً الا إذا وصل بك الى ما هو معروف سلفاً وكفى الله المؤمنين القتال، أو أن يصل بك الى نتائج تؤيد النظرة الدينية حتى ولو بالتعسف كما يفعل بعض دعاة الاعجاز العلمي في يومنا هذا..

وعملاً بالآيات التي تحث على التدبر فقد رأيت أن أشارك القارىء في بعض النقاط التي استعصت عليّ وأضحت بمثابة الأحجيات، وقد تدبرت فيها ورجعت الى كتب تفسير القرآن وأقوال العلماء فلم أجد الا تبريرات متهافتة فرأيت أن أعرض بعضها على القراء..

وخوفاً على القارىء الكريم من الملل رأيت أن أجعل هذا المقال في جزئين: أعرض في الجزء الأول مجموعة من الأحجيات تتعلق بالخلق ويوم القيامة وفي الجزء الثاني أحجيات دينية متفرقة، وقد اخترتها على سبيل المثال لا الحصر فالمجال يضيق عن حصرها.


أحجية المساءلة:
في سياق الحديث عن يوم القيامة يقول الله في القرآن (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون - الحجر) كما يقول في آية أخرى (ولتُسئلن عما كنتم تعملون) ويقول في آية ثالثة (فقفوهم إنهم مسئولون) وفي رابعة يقول (فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين) ولا نجد في أنفسنا حاجة لشرح هذه الآيات فمعناها واضح ولا أحسب أن مسلماً لا يعرف أن الناس – مسلمهم وكافرهم - سيسئلون عن أعمالهم يوم القيامة..

ثم بمزيد من التدبر في القرآن نجد آية أخرى تقول (ولا يُسْئَلُ عن ذنوبهم المجرمون - القصص) !! كما يقول (فيومئذ لا يُسئل عن ذنبه إنس ولا جان - الرحمن)!

فهل سيُسئل الناس يوم القيامة أم لا؟ أم أن الله لم يستقر على رأي في هذا الشأن عند نزول القرآن؟ وإذا كان المجرمون لا يسئلون عن ذنوبهم فهل سيئسل الطيبون الصالحون؟ وبناء على التدبر في هذه الآيات المتضاربة نجد انه لا يمكن الوصول الى نتيجة في هذا الشأن، ولا أستبعد ان يخرج علينا المشايخ بتأويلات طريفة من نوع ان يوم القيامة هو في الواقع عدة أيام كالصعقة والنفخ في الصور والحشر والصراط ... الخ وان الكلام مسموح في بعضها ممنوع في البعض الآخر.

ومادامت الآية تذكر محاسبة الجن أيضاً فلا بد من طرح هذا السؤال: إذا كان القرآن قد نزل للإنس والجن وقد آمنت به الجن في قوله (قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي الى الرشد فآمنّا به - الجن) فلماذا لا يحتوي القرآن أي تكليف للجن؟ هل يصلون نفس الركعات؟ وهل يصومون؟ وماذا عن الجهاد؟ هل يجاهدون ممالك الجن الكافرة؟ وهل يا ترى يوجد منهم من يفجر محطات القطارات ومدارس الأطفال (الجن طبعاً)؟ وباختصار: إذا كان الرسول مرسلاً للإنس والجن وهو خاتم الرسل فكيف نسي أن يبين لهم واجباتهم الشرعية؟


أحجية التساؤل:
يقول القرآن في وصفه ليوم القيامة (فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون) كما يؤيد هذا المشهد الرهيب يوم القيامة بقوله (يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه) فهو موقف لا يلتفت المرء فيه لاخيه ولا لامه ولا لزوجته فضلاً عن أن ينشغل بباقي الناس.. فعبر القرآن عن هذا بأنهم "لا يتساءلون"...

ولكننا نجد القرآن في آية أخرى يقول (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)!! ويقول أيضاً (فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) مما يدل على أن الكفار يتساءلون ويتلاومون فهل يتساءل الكفار يوم القيامة أم لا؟


أحجية النطق:
ويقول كذلك (يوم نختم على أفواههم) .. ويقول أيضاً (هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون) .. ويقول (ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون) مما يدل على أن الكفار يوم القيامة ممنوعون من الكلام حتى للدفاع عن أنفسهم..

ولكنا نجد في آية أخرى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ - فصلت)، كما يقول أيضاً عن الكفار (ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ - الأنعام) وفي آية لاحقة (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ - الأنعام)..

فها نحن نرى آياتٍ صريحة في منع الكفار من النطق يوم القيامة وآيات أخرى صريحة في أنهم ينطقون فهل نصدق الآيات الأولى أم الثانية؟

والأمثلة الثلاثة السابقة تطرح سؤالاً بسيطاً: ان الله بعلمه للغيب يتحدث عن مشهد يوم القيامة كأنما يتحدث عن ماض، فهو في علم الله متحقق ومتيقن الحدوث، ولكن وصف الله لهذا المشهد غير متسق، فما الذي يدعو الله للتضارب في وصف هذا المشهد؟ هل لأنه لم يستقر على رأي فيما سيفعل يوم القيامة؟ وهل يصح ذلك في حق الله؟

التفسير البسيط لهذه التناقضات هو أنها وصف بشري لمشهد متخيل، يتأثر هذا الوصف بما يعتمل في نفس هذا الشخص من مشاعر وانفعالات لحظة الكتابة والتأليف، لأنه لا يعقل أن يتضارب وصف الله لنفس المشهد.


أحجية الخلق:
لا يوجد مسلم على وجه الأرض فيما أعلم الا ويؤمن بقصة خلق الانسان من طين وأمر الله لابليس بالسجود ورفض ابليس ذلك وتلك القصة المشهورة.. والقصة كما يعرفها الجميع تدل على ان الله خلق آدم أولاً ثم أمر الملائكة بالسجود له ثم حدث ما حدث من اغواء في الجنة ونزول الى الأرض ثم ظهور النسل البشري الى آخر القصة التي وردت تقريباً في تراث كل الأمم بصيغ مختلفة ومنسوبة الى آلهة مختلفة.. و"ثم" كما يقول أهل اللغة تفيد الترتيب مع التراخي ... ولكننا نجد القرآن في آية أخرى يقول (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم – الأعراف) فهل خلق الله آدم ثم أمر الملائكة بالسجود له ثم جاءت ذرية آدم؟ أم أنه خلق آدم وذريته ثم أمر الملائكة بالسجود كما في آية سورة الأعراف؟

كما يحدثنا القرآن انه خلق الإنسان في أحسن تقويم ويفسر ابن كثير الآية بأن الله (خَلَقَ الإِنْسَان فِي أَحْسَن صُورَة وَشَكْل مُنْتَصِب الْقَامَة سَوِيّ الأَعْضَاء حَسَنهَا)، أما القرطبي فقال (وَهُوَ اعْتِدَاله وَاسْتِوَاء شَبَابه كَذَا قَالَ عَامَّة الْمُفَسِّرِينَ . وَهُوَ أَحْسَن مَا يَكُون، لأَنَّهُ خَلَقَ كُلّ شَيْء مَنْكِبًا عَلَى وَجْهه، وَخَلَقَهُ هُوَ مُسْتَوِيًا)..

ولكن الأدلة العلمية وسجل الحفريات لا تؤيد هذه الأسطورة بل انه تنفيها نفياً قاطعاً فانفصال السلالة التي نشأ عنها الانسان الحالي عن السلالات الأخرى حدث منذ ستة ملايين سنة تقريباً وتطور الانسان خلالها في عدة اتجاهات انقرض بعضها تماماً واستمر بعضها في التطور حتى وصل الى الانسان بشكله وهيئته الحالية.. ويضيق المجال عن التفصيل في هذا الموضوع ويطلب في مظانه..

وأسطورة الأله اللاهي بالطين ليخلق منه بشراً وردت أول ما وردت عند السومريين ثم تسربت إلى ثقافات المنطقة كالأساطير البابلية وأعطاها موسى ختم الخلود بنسخها في سفر التكوين من العهد القديم حتى استقرت في القرآن.. وتوجد نسخ محلية محورة من هذه الأساطير في مناطق مختلفة من العالم وان كانت لا تلتزم بالضرورة بفكرة الإله الواحد، كما يضيف بعضها موادَ أولية أخرى إضافة إلى الطين.

ولا تبدو أسطورة الخلق من التراب في القرآن منسجمة حتى مع نفسها فضلاً عن أن تنسجم مع العلم، فتارة يحدثنا القرآن بقوله (إنا خلقناكم من تراب)، وتارة يقول (وبدأ خلق الإنسان من طين)، وتارة يقول (خلق الإنسان من صلصال كالفخار - الرحمن)، ثم في آية أخرى يقول (وجعلنا من الماء كل شيء حيى) وبما ان الإنسان كائن حي فلا بد أنه خلق من الماء وليس من الطين إذا كان لنا أن نصدق هذه الآية... فهل خلق الإنسان من الماء أم من الطين؟

وإذا كان لنا أن نضع قبعة الحاوي (الفقيه) لإزالة هذا التناقض لقلنا أن الإله عندما أراد أن يخلق الإنسان من تراب احتاج إلى بعض الماء ليساعد في تشكيل العجينة وبهذا فهو استعمل التراب والماء معاً... ويبدو الإله هنا في صورة مسلية كطفل يلعب بالتراب ثم يحضر بعض الماء يمزج به التراب ثم يصنع إنساناً من الطين ونفخ فيه نفخة إلهية تمنحه الحياة، ولكن هذا التفسير على الرغم من أنه يحل مشكلة الماء والطين بطريقة طفولية ولكنه يضع عقبات أخرى أمام قوله للشيء كن فيكون!


أحجية خلق الجن وخلق إبليس
حتى إذا سلمنا من التناقض بين خلق الإنسان من الطين وكون الله جعل من الماء كل شيء حيى فإن خلق الجن يطرح إشكالاً آخر: فالجن كما يقول القرآن مخلوق من نار (وخلق الجان من مارج من نار)، ولكن الجن كائنات حية أيضاً فينبغي أن تكون مخلوقة من الماء هي الاخرى، فهل هي مخلوقة من ماء أم من نار؟

أما إذا تحدثنا عن خلق الشياطين فسنفتح باباً آخر: فنحن نعلم أن إبليس كان من الجن المقربين مع الملائكة حتى ارتكب خطيئة تعظيم الله ورفض السجود لغيره وكان ماكان.. ولكن القرآن والرسول يقولان ان كل انسان معه شيطان أو أكثر يجري منه مجرى الدم ويوسوس له فكيف ومتى خلق الله هؤلاء الشياطين الصغار؟ وهل يموتون مع موت من يرافقونهم من البشر أم انهم يرافقون أشخاصاً آخرين؟

يقول الشيخ الشنقيطي في تفسير: (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني – الكهف) :

وقوله في هذه الآية الكريمة: (وذريته) دليل على أن للشيطان ذرية ، فادعاء انه لا ذرية له مناقض لهذه الآية مناقضة صريحة كما ترى، وكل ما ناقض صريح القرآن فهو باطل بلا شك، ولكن طريقة وجود نسله هل هي عن تزاوج أو غيره، لا دليل عليها من نص صريح، والعلماء مختلفون فيها، وقال الشعبي سألني رجل : هل لإبليس زوجة؟ فقلت إن ذلك عرس لم أشهده ، ثم ذكرت قوله تعالى: (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني)، فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة ، فقلت : نعم.

وروي مثله عن قتادة، قال مجاهد: إن كيفية إيجاد النسل منه أنه أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات!، قال: فهذا أصل ذريته. وقال بعض أهل العلم: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكراً، وفي اليسرى فرجاً، فهو ينكح هذا بهذا فيخرج له في كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطاناً وشيطانة.

وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: "قال رسول الله –ص-: "لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان وفرخ " وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه. قال مقيده عفا الله عنه : هذا الحديث إنما يدل أنه يبيض ويفرخ، ولكن لا دلالة فيه على ذلك، هل هي من أنثى هي زوجة له.

فهذا طرف من أقوال أهل العلم في موضوع ذرية الشيطان، ولا شك أن هذه الكنوز العلمية قد قلت الإستفادة منها ففيها علوم بيولوجية مفيدة وليس فقط علوم شرعية، وهذه الكتب هي التي يريد منا الإسلاميون أن نقبل عليها وننهل من علومها حتى تعود الأمة إلى سابق مجدها.

ولا مناص من أن نعرج على نقطة أخرى وهي أنه إذا كان إبليس قد اختار أن يعصي الله بعدم السجود واستحق الخلود في النار لأجل ذلك فما ذنب هؤلاء الشياطين الصغار أن يدخلوا النار تبعاً لخطيئة جدهم الأكبر والله يقول (ولا تزر وازرة وزر أخرى)؟ فهل يعطون فرصة الاختيار أيضاً؟ وماذا لو اختار بعضهم أن يطيع الله ولا يعصيه فهل يدخل الجنة؟ أم أنهم مجبورون على العصيان؟ فإذا كانوا مجبرين فكيف يعاقبهم الله على أمر لا خيار لهم فيه؟

هذه النصوص تضعنا أمام عدة مواد أولية استخدمها الله للخلق: التراب، الماء، النار.. أما إذا أردنا الخوض في قصة خلق عيسى بن مريم فسنفتح باباً لا يمكن إغلاقه! إذ ان القرآن يقول انه نفخ في مريم من روح الله، فهل روح الله من التراب أم من الماء؟ وإذا كانت الروح مختلفة تماماً فهل معنى ذلك أن جسد عيسى من الطين أو الماء ولكن روحه من روح الله؟ وهل نصحح بذلك مذهب النصارى في اللاهوت والناسوت؟ أي أن لعيسى طبيعة إلهية وطبيعة بشرية؟

أحجية الاطمئنان:
يقول القرآن في وصف المؤمنين (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب - الرعد) وهذا وصف جميل وكثيراً ما يحتج به المؤمنون، بل ويجد بعضهم أن القرآن يجلب الطمأنينة فعلاً، ومن نافلة القول أن المسيحي يجد نفس الطمأنينة في كتابه "البشري المحرف"، كما يجدها اليهودي في التوراة، فالانسان حبيس أوهامه، ويستطيع أن يطوع عقله ليقبل ما يريد أن يقبله.. وكل يطلب الراحة فيما يراه محقاً كان أم واهماً .. وإذا طلب المرء الطمأنينة في شيء قرآناً كان أم شعراً وتحقق له ذلك فقد أدى ذلك الشيء غرضه، ولكن القرآن يصر على إرباك ذوي العقول السوية إذ نجده يقول في آية أخرى في سورة الأنفال (انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وَجلت قلوبهم)!! فنحن هنا أمام معضلة.. فالفعل هو ذات الفعل وهو ذكر الله، والفاعل هو نفس الفاعل وهو المؤمن، ولكن الله يقرر في الآية الأولى أن ذكر الله يطمئن القلوب ثم ذكر في الثانية أنه يصيب القلوب بالوجل وهو الخوف والاضطراب.. فهلا أفتانا العلماء في هذه المعضلة؟ هل تطمئن القلوب بذكر الله أم توجل؟

لاشك أن نصوصاً كهذه هي التي جعلت من ممارسة التفكير المزدوج (Double Think) ممارسة شائعة عند الفقهاء لتفسير هذه التناقضات.. هذه الممارسة انتقلت بالفقهاء الى مرتبة الحواة.. فكلما تفتق ذهن الفقيه عن حيلة لتبرير تناقض ما كلما زاد الثناء عليه ونعتوه بأنه ممن فتح الله عليهم بالفهم، وتشوف التلاميذ لتقليده.. وها نحن في القرن الواحد والعشرين نجني ثمار التفسير والتبرير وإزدواج المعايير وقلب المفاهيم وخلط الأوراق وتشويه الحقائق والتحليق في فضاءات الوهم والتمسك بأحلام التفوق وتصور القدرة على قيادة البشرية بل ووجوب ذلك، وخوف الأخذ من ثقافة الآخر والانغلاق على ثقافة بشرية لها ما لها وعليها ما عليها بحسبانها هدي خير القرون الذي لن يصلح آخر هذه الأمة إلا به، ومحاربة مشروعات الحداثة والتطوير.


أحجية التبديل:
يقول القرآن (لا مبدل لكلمات الله) ويقول أيضاً (لا مبدل لكلماته – الأنعام والكهف) والآية تعني أحد أمرين:
1- إما أن الله لا يبدل كلامه وهذا شيء مفهوم بل وواجب في حق الإله، فكيف يليق بإله أن يبدل كلامه وهو كلي العلم وأزلي الوجود وعالم بالغيب، وحافظ لكلامه في اللوح المحفوظ؟
2- وإما أن الله لا يسمح لبشر بأن يبدل كلامه وهذا أيضاً مفهوم فأنى لبشر ضعيف فانٍ أن يقدر على تبديل كلام الإله الأزلي؟ وكيف يسمح له الإله بتبديله؟

ولكن تواجهنا معضلتان. الأولى: ان الله نفسه يبدل كلماته التي أكد أن لا مبدل لها فيقول (وإذا بدلنا آيةً مكان آيةٍ والله أعلم بما يبدل قالوا إنما أنت مفتر - النحل).. فهذه الآية تقول أن الله يبدل الآيات بآيات أخرى، ويقر بأن الكفار والمشركين استنكروا أن يتراجع إله في كلامه ويبدله فاتهموا محمداً بالإفتراء، وكعادة القرآن في "الرد على الشبهات" لم يقدم أي تفسير مقنع لهذه الأحجية ومضى يكرر نفس القصة من أن القرآن نزله روح القدس بالحق إلى آخره..

كما يقول القرآن أيضاً (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أومثلها - البقرة) !! ونترك لكل من يملك ذرة عقل فما دونها أن يفهم ما الذي يضطر إلهاً إلى أن ينسخ بعض الآيات ليأتي بخير منها أو مثلها.. فإذا كانت الآية الناسخة خيراً من المنسوخة فلم لم يأتِ بها أولاً؟ وهل ثبت له بعد تجربة الآية المنسوخة أنها ليست صالحة؟ هل يستخدمنا الإله حقلاً لتجاربه؟

وإذا كان نسخ آية والإتيان بخير منها أمراً يطعن في حكمة الإله، ولكنه يظل مفهوماً في إطار التجربة والخطأ الإلهيين (Trial and Error)، ولكن ما الحكمة في نسخ آية والإتيان بآية "مثلها"؟ أليس هذا نوعاً من العبث؟ وإذا كانت الآيتان متماثلتين فلم لم يبق الآية الأولى؟ وفي خضم إتيان الإله بآية أفضل وآيات متشابهة سقط التفسير الأول بأن الله لا يبدل لكلماته..

المعضلة الثانية هي أن البشر يبدلون كلام الله بكل بساطة، بل أن البشر –حسب العقيدة الاسلامية- أفلحوا في تبديل جميع كلمات الله المتتالية بدون استثناء كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وما لم نعلم من كتب وصحائف، ولم يسلم من ذلك إلا القرآن.. فكيف للبشر أن يفعلوا ذلك وقد تعهد الله منذ الأزل بأن لا مبدل لكلماته؟

نجد في ثلاجة الأجوبة المعلبة إجابة جاهزة يستخدمها المسلمون فيقولون ان الله لم يتعهد بحفظ كتبه الاولى ولكنه تعهد بحفظ القرآن، وسؤالي هو: هل يوجد إله يعجز عن حفظ رسالاته الى البشر من العبث؟ ثم وفي نهاية المطاف يقول لنفسه "سأكون منتبهاً تماماً هذه المرة وسأنزل رسالة لا يستطيع أحد أن يبدلها؟" .. هل يؤمن بإله كهذا شخص يحترم عقله؟ إله تستطيع مخلوقاته أن تعبث بكلماته وتبدلها؟ إله ينزل آيات يزعم انها في اللوح المحفوظ ثم يكتشف بعد قليل انها لم تعد صالحة فيبدلها زاعماً انه سيأتي بأحسن منها أو مثلها؟

ألم يخطر على بال الإله في أول مرة تم فيها تبديل كلماته، ولتكن التوراة مثلاً، أن يحاول حفظها في المرة التالية، ولتكن الإنجيل مثلاً؟ لماذا يكرر الإله أخطائه مرة بعد أخرى؟ هل فطن بعد ستمائة سنة من تعليق آخر نبي (أو ابن) أرسله إلى الأرض على الصليب بين عاهرة ولص، فطن الى أن شيئاً ما لا بد أن يفعل إزاء هذا العبث البشري المتكرر بكلماته فأرسل رسالة خاتمة وتعهد بحفظها؟

وحتى في هذه الرسالة لم يتعلم من أخطائه فقد زعم التعهد بحفظها ولكنه كان أول من غير وبدل فيها، فيكاد يجمع علماء المسلمين ان آية السيف (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - التوبة) نسخت مائة وأربع وعشرين آية!! ولعاقل أن يسأل: إذا اضطر الله نفسه أن يغير آياته مرات عديدة في ربع قرن فكيف يزعم هؤلاء أن القرآن صالح لكل زمان ومكان وهو لم يصلح لقرية بدوية صغيرة لمدة ربع قرن دون تبديل؟ وإذا قامت دولة بتبديل دستورها مرة في كل عشر سنوات لقلنا ان من خط هذا الدستور لا يفقه في القانون شيئاً، فعلى الرغم من أن الدساتير لا يطلب منها الخلود ولكن استقرارها لفترة زمنية يكسبها الاحترام.

وإذا كان تراجع الإله عن بعض ما قاله مفهوماً فكيف نفسر أن ينسخ الرسول كلام الله؟ كمثال على ذلك نورد حد رجم الزاني والذي ينص القرآن على أنه الجلد بينما يصر الرسول والعلماء على انه الرجم للزاني المحصن، وكأن الله حينما أنزل النص الأول لم يكن يعلم أن الزناة لا بد وأن يكونوا إما محصنين أو غير محصنين، ثم استدرك الرسول على الله بأن أضاف عقوبة مشددة لمن كان محصناً..

ولمواجهة هذا التضارب المحرج ظهرت أحاديث صحيحة تقول أن الله أنزل آية في الرجم ولكنها اختفت من المصحف، وفي تفسير ذلك يقول بعض العلماء الظرفاء أن هذه الآية نسخ لفظها وبقي حكمها، وروى الطبراني وابن ماجة والدارقطني وابن يعلى أن هذه الآيات كانت مكتوبة وموضوعة تحت سرير عائشة فلما مات الرسول وانشغلوا بدفنه دخل الداجن وأكلها!!

والتفسير الأول يفتح الباب للبشر أن يبدلوا كلام الله فلا نختلف عن اليهود والنصارى في شيء، أما التفسير الثاني فيفتح الباب للقول بأن "الدواب" تبدل كلام الله .. ويجد مسلم اليوم نفسه مضطراً للإيمان بأن الله أنزل آيات ثم نسخ لفظها وأراد لحكمها أن يبقى!! وأن الداجن له سلطان على كلام الله الذي تعهد بحفظه!

ولا يزال أنصار الدولة الدينية يرفعون شعار تطبيق الشريعة حتى يومنا هذا بحسبانها المحجة البيضاء ليلها كنهارها، هذه الشريعة التي لم يفهمها أقرب الصحابة إلى الرسول فتقاتلوا بينهم قتالاً شديداً أفنى فيه مبشرون بالجنة مبشرون آخرون، وها هم ينتظرون يوم القيامة عسى أن يصدق الله وعده في قوله (ونزعنا ما في صدورهم من غل)، هذا إذا لم يغير رأيه وينسخ هذه الآية أيضاً.

وإذا كانت هذه المحجة البيضاء لم تكن واضحة لصحابة الرسول في أهم الأمور وهو انتقال السلطة حتى اضطروا إلى قتل بعضهم البعض ولما يمض على وفاة الرسول ثلاثة عقود، ففيم وضوح هذه الشريعة؟ وما الذي يدعوهم إلى الإعتقاد بأن الشريعة ستكون أوضح لنا بعد أربعة عشر قرناً مما كانت للصحابة وهم من تربوا على يدي الرسول وعاصروا "الوحي"؟


أحجية المسجد الأقصى:
قصة الإسراء والمعراج هي من القصص المحلقة في عوالم الخيال والتي يختلط فيها الزمان والمكان والطبيعة وماورائها بدرجة تجعل الفصل بينهم ضرباً من المحال.. وتصلح هذه القصة لكتاب كامل ولكني لن أعرض لها في هذا المقال بل سأعرض لأحجية المسجد الأقصى..

لعل أول ذكر للمسجد الأقصى ورد في آية سورة الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) وهذه الآية مكية وقد نزلت في بداية الدعوة، ولكن المشكلة هنا انه لم يكن هناك مسجد أقصى ولا مسجد من أي نوع في فلسطين ولا في غيرها، فأول مسجد بناه الرسول هو في المدينة فمن الذي بنى هذا المسجد الأقصى إذن؟

قد يقول قائل: أن أحد أنبياء بني إسرائيل قد بنى هذا المسجد/المعبد ولأن الإسلام هو دين الأنبياء جميعاً فلذلك ذكره الله في القرآن بحسبانه مسجداً.. فنقول ان أمكنة العبادة في الديانة اليهودية تسمى معابد (Synagogues) فهل كان هذا النبي يعلم أنه يتعبد في مسجد ولكنه يخدع أتباعه؟.. ثم ان تاريخ بناء المعبد يرجع إلى زمن لم يكن الله فيه غاضباً على بني إسرائيل فكيف يخدعهم الله بإيهامهم أن معبدهم هو في واقع الأمر مسجد؟

وبفرض ان المسجد الأقصى كان موجوداً بطريقة أو بأخرى فلماذا لم يُصلِّ فيه عمر بن الخطاب عندما فتحت مدينة القدس وصلى في كنيسة النصارى؟ ترى هل أقحمت هذه الآية بعد عقود من وفاة الرسول لإضفاء قداسة استثنائية على المسجد الجديد والذي ربما بناه الوليد بن عبد الملك في مواجهة إرث تاريخي طويل لليهود والنصارى في القدس؟

ولعل القصة ترمي ضمن ما ترمي إلى هذه المصادرة، فقول الرسول بأن الله جمع له الأنبياء فصلى بهم إماماً كان نوعاً من الحرب الإعلامية بقصد رفع معنويات أتباعه الوثنيين الذين طالما شعروا بعقدة الدونية تجاه اليهود والنصارى الذين كانوا يعتقدون أنهم أهل كتاب وأصحاب صلة بالسماء، فكأنما أراد الرسول أن يمحو ذلك كله بقصة حصلت له وحده بطريقة سرية لم يطلع عليها أحد غيره. وإذا كانت المعجزة مطلوبة لإقناع الناس فلا أدري لماذا جاءت كل معجزات الرسول سرية لم يرها أحد؟ ربما لإقناعه هو شخصياً، أما نحن فالمطلوب أن نصدق معجزة لم نرها وإلا حلت علينا لعنات الآلهة.

يؤيد ذلك أيضاً مزايدة الرسول على اليهود بصوم عاشوراء وصوم يوم قبله أو بعده بزعم أن المسلمين أحق بموسى من اليهود.. ولا أدري لماذا لم يخطر للرسول ان هذا الصوم وما صاحبه من القصص ربما يكون مما أدخله اليهود على شرائعهم من تحريفات.. فالواقع يقول أنه لم يكن يدري شيئاً عن أهمية هذا اليوم لليهود.. هذا اليوم الذي نجا فيه الله بني إسرائيل وارتكب بطولات أخرى لا حصر لها فكيف غابت هذه المعرفة عن النبي؟

ولطه حسين رأي جدير بالتأمل إذ يرى أن قصة ابراهيم ليس لها وجود تاريخي مؤكد، فضلاً عن نزوله الى الجزيرة العربية وبنائه للكعبة، وانما هي قصة اخترعت أساساً لإثبات وجود صلة بين اليهود والمسلمين من جهة وبين القرآن والتوراة من جهة أخرى – خصوصاً أن الرسول كان محتاجاً لابراز هذه الصلة في بداية الدعوة لتأكيد مصداقيته في مواجهة الوثنيين من قريش واليهود والنصارى، كما كانت محاولة لم تنجح لاستمالة اليهود لدينه الجديد.


أحجية الأمر بالفسق
يقول القرآن في سورة الاسراء (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً).. وهذه إحدى الآيات التي تبارى الحواة في تأويلها وصرفها عن معناها الواضح النازل بلسان عربي مبين.. فمعناها المباشر أن الله في سياق تدخلاته غير المفهومة في حياة البشر يغضب أحياناً على بعض القرى فيقرر إهلاكها.. ورغم أنه يستطيع ذلك بدون أن يقدم تفسيراً لأحد فهو يأمر مترفي هذه القرية بالفسق!! (لاحظ أنه قال سابقاً "إن الله لا يأمر بالفحشاء").. فإذا فسق هؤلاء فان الله يعتبر أنه أبرأ ذمته ويصب جام غضبه على هذه القرية التعيسة فيدمرها.

ودع عنك أن الإله لا ينبغي له أن يأمر بالفسق، فإن قوله –فحق عليها القول- دليل على أن القرية لم يحق عليها العذاب إلا بعد فسق المترفين، فكيف جاز له أن يقرر هلاكها قبل أن تستحق القرية ذلك؟ وإذا كان المترفون في كل قرية قلة وأغلب الناس فقراء فلماذا يهلك الكثرة بفسق القلة المترفة؟ خاصة إذا كان هو المحرض على هذا الفسق؟

ولشد ما أكره أن أظهر بمظهر السفسطائي ولكني لا أملك إلا أن أطرح هذا السؤال: إذا كان الله قد أمر المترفين بالفسق فهل يجب عليهم طاعته أم عصيانه؟ فإذا أطاعوه فقد ارتكبوا فسقاً وجب به هلاكهم، وإن عصوه فلم يفسقوا غضب عليهم لعصيانهم إياه فكيف المخرج؟ وبعد تفكير خلصت إلى أن من أراد اتهامي بالسفسطائية فليوجه الإتهام إلى الله نفسه فهو الذي وضعهم في هذا الموقف أما دوري فيه فلا يتعدى الصياغة وإلقاء الضوء.

وكمثال على الدور الفهلوي الذي يمارسه الفقهاء، هاك طرفاً مما قالوه في تفسير أمر الله بالفسق منقولاً من تفسير ابن كثير (علامات التعجب من عندي):

واختلف المفسرون في معناها فقيل معناه أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمراً قدرياً كقوله تعالى "أَتَاهَا أَمْرنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا" -- وقالوا: معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش!! فاستحقوا العذاب -- وقيل معناه أمرناهم بالطاعات!! ففعلوا الفواحش فاستحقوا العقوبة. رواه ابن جريج عن ابن عباس وقاله سعيد بن جبير أيضاً -- وَقَالَ اِبْن جَرِير يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ جَعَلْنَاهُمْ أُمَرَاء -- قَالَ عَلِيّ بْن طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس يَقُول سَلَّطْنَا أَشْرَارهَا فَعَصَوْا فِيهَا فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَهْلَكَهُمْ اللَّه بِالْعَذَابِ وَهُوَ قَوْله " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَة أَكَابِر مُجْرِمِيهَا " الْآيَة وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَمُجَاهِد وَالرَّبِيع بْن أَنَس -- وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس يَقُول أَكْثَرْنَا عَدَدهمْ وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَالْحَسَن وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَعَنْ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ

وسواء أمرهم بالفسق أو سخرهم لفعل الفواحش أو جعل مترفيهم أمراء أو سلط أشرارهم أو أكثر أعداد المترفين في هذه القرية فيبقى الله مسئولاً عما حدث فيها من الفسق بتحريكه لخيوط اللعبة من وراء ستار الغيب، ويبقى المسلم حائراً في فهم دوافع هذا الإله الذي يفقد صبره ولا ينتظر يوم الحساب ليعاقب المسيء ويكافيء المحسن بل يخبط خبط عشواء مهلكاً المحسن والمسيء معاً.


أحجية الشرك
وهذه عزيزي القارىء أحجية عجيبة حتى بمقاييس القرآن نفسه، فالله هنا يخبرنا عن سؤاله للمشركين يوم القيامة عن سبب إشراكهم به فيقولون ان الله هو السبب في ذلك إذ لو شاء لهم عدم الإشراك لما أشركوا. وهذا منطق متسق مع المنطق الديني القائل بأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فيعيب عليهم الله هذا القول ويتهمهم بالكذب والتخرص: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آَبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ – الأنعام)

ولكن يبدو أنه نسي ما قاله في هذه الآية فنراه يقرر بكل ثقة في آية أخرى من نفس السورة ما عابه عليهم فيقول (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ – الانعام) فهو يقر صراحة بأنه السبب في إشراكهم، فنحن هنا أمام أحد أمرين: إما أن تكون مشيئة الله سبباً في إشراكهم كما قالوا ويكونون بهذا صادقين في كلامهم، أو أن يكونوا كاذبين في هذا الزعم ويكون القرآن كاذباً أيضاً بتكذيبهم.

وأخيراً: لم أهدف في هذا المقال إلى استقصاء هذه الأحجيات، ولا مصلحة في ذلك، ولكني شئت أن أسوق بعض الأمثلة فقط، وعلى العكس ممن يقول أن الطريق إلى إزالة الشك هو بقراءة القرآن وتدبره فاني أقول ان أقصر الطرق إلى ترك الدين هو بقراءة القرآن وتدبره.. لا أقصد طبعاً قراءة القرآن على طريقة الكتاتيب ولكن بمقارنة الآيات ببعضها البعض والتحلي بروح التدقيق والتحليل والبحث، وتجاوز عقلية الإعتذار وإحسان الظن بالإله، فلا ينبغي أن يعتمد اتساق كلام الله على حسن الظن به.. وينبغي على قارىء القرآن أن يعلم أن صاحب هذا الكتاب يزعم أنه معجز ويتحدى الجميع أن يجدوا فيه اختلافاً فلا حرج إذن من محاولة ايجاد الاختلاف فانت هنا تستجيب للتحدي المطروح، فان وجدت اختلافاً أيقنت انه ليس من عند الله وإن لم تجد زاد إيمانك ويقينك فانت رابح في الحالين...

الكاتب: الحكيم الليبي

المصدر: شبكة اللادينيين العرب

====================
مواضيع ذات علاقة:
فهرس مقالات شبكة اللادينيين العرب في المدونة

1 تعليق(ات):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي ناشرها