محرك البحث اللاديني المواقع و المدونات
تصنيفات مواضيع "مع اللادينيين و الملحدين العرب"    (تحديث: تحميل كافة المقالات PDF جزء1  جزء2)
الإسلام   المسيحية   اليهودية   لادينية عامة   علمية   الإلحاد   فيديوات   استفتاءات   المزيد..
اصول الاسلام  تأريخ القرآن ولغته  (أخطاء علمية / ردود على مزاعم الإعجاز في القرآن والسنة)  لاعقلانية الإسلام  العدالة والأخلاق  المزيد..

28‏/05‏/2011

فلسطين لبني إسرائيل حسب زعم القرآن

كثيرا ما نسمع من بعض المسلمين اتهامات لكل من يختلف معهم في نظرته للدين بالصهيونية والتعاون مع إسرائيل. الغريب في الأمر أنهم لا يعترفون عادة بأن القرآن قد أقر الزعم اليهودي بأن لبني إسرائيل في فلسطين حقا إلهيا بمنحه تلك الأرض لهم، وحقا تأريخيا بإقرار أساطيرهم مثل مزاعم مملكة داود وسليمان بينما اليوم يفند علماء آثار إسرائيليون اسطورة تلك المملكة.


لماذا لا يوفر السادة المسلمون نعت "الصهيوني" لنبيهم بدلا من اللادينيين الذين لا يؤمنون بأساطير الكتاب المقدس والقرآن؟
كيف يدعي الإسلاميون أنهم على حق في الصراع على أرض يزعم كتابهم المقدس "الصالح لكل زمان" أنها لبني إسرائيل؟
أترككم مع المقال التالي ليوضح من المصادر الإسلامية دعم القرآن للمزاعم اليهودية بأحقية بني إسرائيل في فلسطين .. أثير العراقي


فلسطين لبني إسرائيل – يقول القرآن
الكاتب: نبيل فياض. المصدر: موقع الأوان
من الصعوبة بمكان أن تكتب موضوعيّاً في زمن غير موضوعي. فما بالك أن تكتب بوحي العقل في عالم لا يعرف غير حكم الغرائز؟ لا شكّ أن الكتابة بموضوعية في المسألة اليهودية قضيّة محفوفة بالمخاطر. وسيف التخوين على من يفكّر بحيادية مسلط دائماً؛ تماماً كما هو سيف التكفير. لكن الحقيقة أهم بما لا يقارن من أية سيوف، شهرت أم لم تشهر. والتعامل الموضوعي مع المسألة اليهودية صار أمراً واجباً أخلاقيّاً، خاصة بعد أن نبش مؤرخو ما بعد الصهيونية كل ما في تاريخهم الفعلي من سواد.

نحن هنا أيضاً نحاول القول إن الركون إلى الوثائق الميثولوجية، في ظل غياب الوثائق التاريخية، خطأ معرفي قاتل. والكتب المقدّسة، عموماً، ليست غير وثائق ميثولوجية لا علاقة لها بالحقيقة، لا من قريب ولا من بعيد. الفلسطينيون حقيقة تاريخية؛ أما موسى فليس غير حكاية ميثولوجية. ورغم أن بعض الباحثين اليهود، في ظل تعارض الوثائق التاريخية مع وثائق التوراة وبالتالي وثائق القرآن، حاول أن يجد مبرراً لتناقضات حكاية موسى عبر القول إن تلك الحكاية " أسطرة تاريخ لا تاريخ أسطورة ": لكن هذا برأينا ليس غير أحد أنواع التعليل الذاتي المزيّف المطمئن؛ وأكثر أنواع الكذب شيوعاً هو ذلك الذي نمارسه مع أنفسنا.
الحقيقة التي لا لبس فيها أن اليهود أقوى من العرب بما لا يقارن إن كانت القضية تتعلق بالأساطير؛ أما إن تعلّق الأمر بالحقائق التاريخية، فلا مجال للمقارنة بين الطرفين – مؤرخو اليهود الموضوعيون أنفسهم يعرفون قبل غيرهم أن وقائعهم هي الأبعد عن الحقيقة.

القرآن وبني إسرائيل: النص الأهم!

في القرآن، سورة المائدة ( 5 )، وهي مدنية ومن أواخر السور بالترتيب الكرنولوجي لكتاب المسلمين المقدّس، نص هام للغاية، بؤرته الحديث عن العلاقة بين بني إسرائيل وفلسطين ومحيطها. وهنا سنحاول الوقوف عند آيات النص، آية آية، ومن ثم نقتطف نصوصاً من أهم التفاسير عند أهل السنة والجماعة، القرطبي وابن كثير والطبري.

الآية 20: " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ".
في تفسير القرطبي والطبري لمفهوم نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ؛ يقال" لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَان أَحَد سِوَاهُمْ يَخْدُمهُ أَحَد مِنْ بَنِي آدَم ". لكن الطبري يقرّ بالاختلاف " فِيمَنْ عُنُوا بِهَذَا الْخِطَاب "، أي، وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فنقل عن بعضهم، " عَنَى بِهِ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ … وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِهِ قَوْم مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". ثم ذكر اختلافاً آخر في مسألة وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فنقل عن بعضهم، إن ما أتاهم " هُوَ الْمَنّ وَالسَّلْوَى وَالْحَجَر وَالْغَمَام ". وينكر بشدّة أن يكون هذا الكلام موجهاً لغير بني إسرائيل، أي للمسلمين؛ يقول النص: " قَوْل مَنْ قَالَ : وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ ، خِطَاب لِبَنِي إِسْرَائِيل ، حَيْثُ جَاءَ فِي سِيَاق قَوْله : " اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ " وَمَعْطُوفًا عَلَيْهِ . وَلَا دَلَالَة فِي الْكَلَام تَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله : " وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ " مَصْرُوف عَنْ خِطَاب الَّذِينَ اُبْتُدِئَ بِخِطَابِهِمْ فِي أَوَّل الْآيَة . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَأَنْ يَكُون خِطَابًا لَهُمْ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَال : هُوَ مَصْرُوف عَنْهُمْ إِلَى غَيْرهمْ . فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ قَوْله : " وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ " لَا يَجُوز أَنْ يَكُون خِطَابًا لِبَنِي إِسْرَائِيل ، إِذْ كَانَتْ أُمَّة مُحَمَّد قَدْ أُوتِيَتْ مِنْ كَرَامَة اللَّه نَبِيّهَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مُحَمَّدًا ، مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا غَيْرهمْ ، وَهُمْ مِنْ الْعَالَمِينَ ; فَقَدْ ظَنَّ غَيْر الصَّوَاب ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله : " وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ " خِطَاب مِنْ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْمِهِ يَوْمئِذٍ ، وَعَنَى بِذَلِكَ عَالِمِي زَمَانه لَا عَالِمِي كُلّ زَمَان ، وَلَمْ يَكُنْ أُوتِيَ فِي ذَلِكَ الزَّمَان مِنْ نِعَم اللَّه وَكَرَامَته مَا أُوتِيَ قَوْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَد مِنْ الْعَالَمِينَ ، فَخَرَجَ الْكَلَام مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ لَا عَلَى جَمِيع كُلّ زَمَان ". ( أنظر أيضاً تفسير القرطبي ).

يقول ابن كثير في تفسير ، " إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًاً "،" أَنَّ مُوسَى ذَكَّرَ قَوْمه مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل بِأَيَّامِ اللَّه عِنْدهمْ وَبِآلَائِهِ قِبَلهمْ ، فَحَرَّضَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى اِتِّبَاع أَمْر اللَّه فِي قِتَال الْجَبَّارِينَ ، فَقَالَ لَهُمْ : اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ أَنْ فَضَّلَكُمْ بِأَنْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء يَأْتُونَكُمْ بِوَحْيِهِ وَيُخْبِرُونَكُمْ بِآيَاتِهِ الْغَيْب ، وَلَمْ يُعْطِ ذَلِكَ غَيْركُمْ فِي زَمَانكُمْ هَذَا ". ثم يضيف ملاحظة أخرى حول بني إسرائيل: " هُمْ كَانُوا أَشْرَفَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ مِنْ الْيُونَانِ وَالْقِبْطِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ ".
وفي تفسيره لنص " وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيل الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ "، يقول ابن كثير: " كَانُوا أَفْضَلَ زَمَانهمْ ".

الآية 21: " يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ".
في الآية السابقة لدينا ثلاثة مصطلحات هامة للغاية في سياق فكرة البحث: قَوْمِ و الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ و كَتَبَ.
بالنسبة للمصطلح الأول، قَوْمِ، نقرأ عند الطبري في تفسيره للكلمة: " يَا قَوْم اُدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة " وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه عَزَّ ذِكْره عَنْ قَوْل مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل ، وَأَمْره إِيَّاهُمْ عَنْ أَمْر اللَّه إِيَّاهُ ، يَأْمُرهُمْ بِدُخُولِ الْأَرْض الْمُقَدَّسَة ". ويؤكد ابن كثير في تفسيره النص ذاته: " ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَحْرِيض مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِبَنِي إِسْرَائِيل عَلَى الْجِهَاد وَالدُّخُول إِلَى بَيْت الْمَقْدِس ".
المصطلح الثاني، الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ، كان محط خلاف العلماء؛ يقول الطبري في ذلك: " . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْأَرْض الَّتِي عَنَاهَا بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَة ، فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ : الطُّور وَمَا حَوْله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ … عَنْ مُجَاهِد ، عَنْ اِبْن عَبَّاس : " اُدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة "؛ قَالَ : الطُّور وَمَا حَوْله . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الشَّام . .. عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : " الْأَرْض الْمُقَدَّسَة " قَالَ : هِيَ الشَّام . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ أَرْض أَرِيحَاء . .. قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : " اُدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ " قَالَ : أَرِيحَاء . … عَنْ السُّدِّيّ ، قَالَ : هِيَ أَرِيحَاء . .. عَنْ اِبْن عَبَّاس ، قَالَ : هِيَ أَرِيحَاء . وَقِيلَ : إِنَّ الْأَرْض الْمُقَدَّسَة : دِمَشْق وَفِلَسْطِين وَبَعْض الْأُرْدُن .
… غَيْر أَنَّهَا لَنْ تَخْرُج مِنْ أَنْ تَكُون مِنْ الْأَرْض الَّتِي بَيْن الْفُرَات وَعَرِيش مِصْر لِإِجْمَاعِ جَمِيع أَهْل التَّأْوِيل وَالسِّيَر وَالْعُلَمَاء بِالْأَخْبَارِ عَلَى ذَلِكَ ".

في تفسير ابن كثير للآية بعض مما قاله الطبري، دون إهمال للخلل الجغرافي في نصه؛ يقول المفسّر والتاريخي الشهير: " َقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ : " يَا قَوْم اُدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة " أَيْ الْمُطَهَّرَة؛ وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : " اُدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة "؛ قَالَ: هِيَ الطُّور وَمَا حَوْله؛ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد. وَرَوَى سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي سَعْد الْبَقَّال عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : هِيَ أَرِيحَاء وَكَذَا ذُكِرَ عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَفِي هَذَا نَظَر لِأَنَّ أَرِيحَاء لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَة بِالْفَتْحِ وَلَا كَانَتْ فِي طَرِيقهمْ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس وَقَدْ قَدِمُوا مِنْ بِلَاد مِصْر حِين أَهْلَكَ اللَّه عَدُوَّهُمْ فِرْعَوْن اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِأَرِيحَاء أَرْض بَيْت الْمَقْدِس كَمَا قَالَهُ السُّدِّيّ فِيمَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْهُ : لَا أَنَّ الْمُرَاد بِهَا هَذِهِ الْبَلْدَة الْمَعْرُوفَة فِي طَرَف الطُّور شَرْقِيّ بَيْت الْمَقْدِس ".

المصطلح الثالث الهام في الآية ذاتها هو كتب. يقول القرطبي مفسّراً المصطلح: " وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ، " الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ "، الَّتِي أَثْبَتَ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَنَّهَا لَكُمْ مَسَاكِن ، وَمَنَازِل دُون الْجَبَابِرَة الَّتِي فِيهَا ". مع ذلك، يطرح الطبري تناقضاً ظاهرياً حين يلاحظ، " فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَكَيْفَ قَالَ : " الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ " ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بِقَوْلِهِ : " فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ " ؟ فَكَيْفَ يَكُون مُثْبَتًا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَنَّهَا مَسَاكِن لَهُمْ ، وَمُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ سُكْنَاهَا ؟ قِيلَ : إِنَّهَا كُتِبَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيل دَارًا وَمَسَاكِن ، وَقَدْ سَكَنُوهَا وَنَزَلُوهَا ، وَصَارَتْ لَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ . وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ مُوسَى : " اُدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ " يَعْنِي بِهَا : كَتَبَهَا اللَّه لِبَنِي إِسْرَائِيل - وَكَانَ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ مُوسَى بِدُخُولِهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل - وَلَمْ يَعْنِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره كَتَبَهَا لِلَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِهَا بِأَعْيَانِهِمْ ، وَلَوْ قَالَ قَائِل : قَدْ كَانَتْ مَكْتُوبَة لِبَعْضِهِمْ ، وَلِخَاصٍّ مِنْهُمْ ، فَأَخْرَجَ الْكَلَام عَلَى الْعُمُوم وَالْمُرَاد مِنْهُ الْخَاصّ ، إِذْ كَانَ يُوشَع وَكَالِب قَدْ دَخَلَا ، وَكَانَا مِمَّنْ خُوطِبَ بِهَذَا الْقَوْل ، كَانَ أَيْضًا وَجْهًا صَحِيحًا … عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : " الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ " الَّتِي وَهَبَ اللَّه لَكُمْ . وَكَانَ السُّدِّيّ يَقُول : مَعْنَى " كَتَبَ " فِي هَذَا الْمَوْضِع بِمَعْنَى " أَمَرَ " … عَمْرو بْن حَمَّاد ، قَالَ : ثنا أَسْبَاط ، عَنْ السُّدِّيّ : " اُدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ " الَّتِي أَمَرَكُمْ اللَّه بِهَا ".

كتب هنا تذكّرنا بآية فرض الصيام: كتب عليكم الصيام؛ والطبري والقرطبي على حد سواء يربطان بين مصطلح كتب ومصطلح أمر: " عَنْ قَتَادَة ، قَوْله : " يَا قَوْم اُدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة الَّتِي كَتَبَ اللَّه لَكُمْ " أُمِرُوا بِهَا كَمَا أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالْحَجّ وَالْعُمْرَة " ( راجع تفسيريهما للآية ).
من ناحية أخرى، ففي تفسير ابن كثير للآية تذكير بقصة قديمة حول تملك بني إسرائيل لبيت المقدس: " ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَحْرِيض مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِبَنِي إِسْرَائِيل عَلَى الْجِهَاد وَالدُّخُول إِلَى بَيْت الْمَقْدِس الَّذِي كَانَ بِأَيْدِيهِمْ فِي زَمَان أَبِيهِمْ يَعْقُوب، لَمَّا اِرْتَحَلَ هُوَ وَبَنُوهُ وَأَهْله إِلَى بِلَاد مِصْر أَيَّام يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام؛ ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى خَرَجُوا زَمَان مُوسَى، فَوَجَدُوا فِيهَا قَوْمًا مِنْ الْعَمَالِقَة الْجَبَّارِينَ قَدْ اِسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا وَتَمَلَّكُوهَا؛ فَأَمَرَهُمْ رَسُول اللَّه - مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام - بِالدُّخُولِ إِلَيْهَا وَبِقِتَالِ أَعْدَائِهِمْ وَبَشَّرَهُمْ بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفَر عَلَيْهِمْ فَنَكَلُوا وَعَصَوْا وَخَالَفُوا أَمْرَهُ فَعُوقِبُوا بِالذَّهَابِ فِي التِّيه وَالتَّمَادِي فِي سَيْرهمْ حَائِرِينَ لَا يَدْرُونَ كَيْف يَتَوَجَّهُونَ إِلَى مَقْصِدٍ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً عُقُوبَة لَهُمْ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ فِي أَمْر اللَّه تَعَالَى فَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ : " يَا قَوْم اُدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة ".

الآية 22: " قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ".
هذه الآية هي مجرّد تكملة تفصيلية لما سبق، لكنها في التفاسير لا تخرج عن إطار الميثولوجيا الكاملة، التي هي من أصل يهودي. يقول الطبري أولاً: " ثُمَّ أَمَرَهُمْ [ موسى لبني إسرائيل ] بِالسَّيْرِ إِلَى أَرِيحَاء ، وَهِيَ أَرْض بَيْت الْمَقْدِس ، فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ ، بَعَثَ مُوسَى اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا مِنْ جَمِيع أَسْبَاط بَنِي إِسْرَائِيل ، فَسَارُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْجَبَّارِينَ ، فَلَقِيَهُمْ رَجُل مِنْ الْجَبَّارِينَ ، يُقَال لَهُ : عُوج ، فَأَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَر فَجَعَلَهُمْ فِي حُجْزَته ، وَعَلَى رَأْسه حُزْمَة حَطَب ، وَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى اِمْرَأَته ، فَقَالَ : اُنْظُرِي لِي هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُقَاتِلُونَا ! فَطَرَحَهُمْ بَيْن يَدَيْهَا ، فَقَالَ : أَلَا أَطْحَنهُمْ بِرِجْلِي ؟ فَقَالَتْ اِمْرَأَته : لَا ، بَلْ خَلِّ عَنْهُمْ حَتَّى يُخْبِرُوا قَوْمهمْ بِمَا رَأَوْا ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ".

القصة ذاتها تقريباً ينقلها إلينا ابن كثير، مع إغراق أكثر في الميثولوجيا: " عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أُمِرَ مُوسَى أَنْ يَدْخُل مَدِينَة الْجَبَّارِينَ قَالَ : فَسَارَ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَة وَهِيَ أَرِيحَاء فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ اِثْنَا عَشَرَ عَيْنًا مِنْ كُلّ سِبْط مِنْهُمْ عَيْن لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الْقَوْم … فَدَخَلُوا الْمَدِينَة فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ هَيْئَتهمْ وَجِسْمهمْ وَعِظَمهمْ، فَدَخَلُوا حَائِطًا لِبَعْضِهِمْ، فَجَاءَ صَاحِب الْحَائِط لِيَجْتَنِيَ الثِّمَار مِنْ حَائِطه، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمَار وَيَنْظُر إِلَى آثَارهمْ، فَتَبِعَهُمْ فَكُلَّمَا أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ حَتَّى اِلْتَقَطَ الِاثْنَي عَشَرَ كُلَّهُمْ؛ فَجَعَلَهُمْ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ وَذَهَبَ بِهِمْ إِلَى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهُمْ بَيْن يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ الْمَلِك: قَدْ رَأَيْتُمْ شَأْننَا وَأَمْرَنَا فَاذْهَبُوا فَأَخْبِرُوا صَاحِبَكُمْ! … فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرُوهُ بِمَا عَايَنُوا مِنْ أَمْرهمْ … [ وينقل ابن كثير نصّاً آخر مشابهاً للسابق ]: وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة : عَنْ اِبْن عَبَّاس لَمَّا نَزَلَ مُوسَى وَقَوْمه بَعَثَ مِنْهُمْ اِثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَهُمْ النُّقَبَاء الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فَبَعَثَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ، فَسَارُوا فَلَقِيَهُمْ رَجُل مِنْ الْجَبَّارِينَ فَجَعَلَهُمْ فِي كِسَائِهِ فَحَمَلَهُ حَتَّى أَتَى بِهِمْ الْمَدِينَة وَنَادَى فِي قَوْمه فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ؛ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : نَحْنُ قَوْم مُوسَى بَعَثَنَا نَأْتِيه بِخَبَرِكُمْ فَأَعْطَوْهُمْ حَبَّة مِنْ عِنَب تَكْفِي الرَّجُل؛ فَقَالُوا لَهُمْ: اِذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَوْمه فَقُولُوا لَهُمْ: هَذَا قَدْرُ فَاكِهَتِهِمْ! فَرَجَعُوا إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرُوهُ بِمَا رَأَوْا فَلَمَّا أَمَرَهُمْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - بِالدُّخُولِ عَلَيْهِمْ وَقِتَالهمْ قَالُوا : يَا مُوسَى اِذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ ".
القرطبي في تفسيره المتماثل في جزء منه مع تفسير الطبري، لا يخرج عن إطار الميثولوجيا الذي يضعنا فيه غيره: " عَنْ الرَّبِيع ، قَالَ : إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِقَوْمِهِ : إِنِّي سَأَبْعَثُ رِجَالًا يَأْتُونَنِي بِخَبَرِهِمْ ! وَإِنَّهُ أَخَذَ مِنْ كُلّ سِبْط رَجُلًا ، فَكَانُوا اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا ، فَقَالَ : سِيرُوا إِلَيْهِمْ وَحَدِّثُونِي حَدِيثهمْ وَمَا أَمْرهمْ ! وَلَا تَخَافُوا إِنَّ اللَّه مَعَكُمْ مَا أَقَمْتُمْ الصَّلَاة ، وَآتَيْتُمْ الزَّكَاة ، وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِهِ ، وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ، وَأَقْرَضْتُمْ اللَّه قَرْضًا حَسَنًا . ثُمَّ إِنَّ الْقَوْم سَارُوا حَتَّى هَجَمُوا عَلَيْهِمْ ، فَرَأَوْا أَقْوَامًا لَهُمْ أَجْسَامًا عَجَب ، عِظَمًا وَقُوَّة ، وَأَنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ أَبْصَرَهُمْ أَحَد الْجَبَّارِينَ ، وَهُمْ لَا يَأْلُونَ أَنْ يُخْفُوا أَنْفُسهمْ حِين رَأَوْا الْعَجَب ، فَأَخَذَ ذَلِكَ الْجَبَّار مِنْهُمْ رِجَالًا ، فَأَتَى رَئِيسهمْ ، فَأَلْقَاهُمْ قُدَّامه ، فَعَجِبُوا وَضَحِكُوا مِنْهُمْ ، فَقَالَ قَائِل مِنْهُمْ : إِنَّ هَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَرَادُوا غَزْوكُمْ ، وَأَنَّهُ لَوْلَا مَا دَفَعَ اللَّه عَنْهُمْ لَقُتِلُوا . وَإِنَّهُمْ رَجَعُوا إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَحَدَّثُوهُ الْعَجَب ".

وفي رواية أخرى، يقول القرطبي مفسّراً: " عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : " اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا " مِنْ كُلّ سِبْط مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل رَجُل أَرْسَلَهُمْ مُوسَى إِلَى الْجَبَّارِينَ ، فَوَجَدُوهُمْ يَدْخُل فِي كُمّ أَحَدهمْ اِثْنَانِ مِنْهُمْ ، يُلْقُونَهُمْ إِلْقَاء ، وَلَا يَحْمِل عُنْقُود عِنَبهمْ إِلَّا خَمْسَة أَنْفُس بَيْنهمْ فِي خَشَبَة ، وَيَدْخُل فِي شَطْر الرُّمَّانَة إِذَا نُزِعَ حَبّهَا خَمْسَة نَفْس أَوْ أَرْبَعَة ". لكنه في النهاية يقدّم تفسيراً أقرب إلى المنطق لمصطلح جبارين حين يقول: " عَنْ الضَّحَّاك : " إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ "؛ قَالَ : سَفَلَة لَا خَلَاق لَهُمْ ".

من ناحية أخرى، يضيف الطبري – والقرطبي – تفصيلاً آخر حول تردد بني إسرائيل في دخول أرض الجبّارين، حين يقول: " وَوَسْوَسُوا عَلَى مُوسَى وَهَارُون ، فَقَالُوا لَهُمَا : يَا لَيْتَنَا مُتْنَا فِي أَرْض مِصْر ، وَلَيْتَنَا نَمُوت فِي هَذِهِ الْبَرِيَّة وَلَمْ يُدْخِلنَا اللَّه هَذِهِ الْأَرْض لِنَقَع فِي الْحَرْب ، فَتَكُون نِسَاؤُنَا وَأَبْنَاؤُنَا وَأَثْقَالنَا غَنِيمَة ، وَلَوْ كُنَّا قُعُودًا فِي أَرْض مِصْر ، كَانَ خَيْرًا لَنَا وَجَعَلَ الرَّجُل يَقُول لِأَصْحَابِهِ : تَعَالَوْا نَجْعَل عَلَيْنَا رَأْسًا وَنَنْصَرِف إِلَى مِصْر ".

النص الأخير الذي سنقف عنده في بحثنا هذا، هو الآية 23: " قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ".
في تفاسير هذه الآية نجد أمرين في غاية الأهمية: الأول هو أن التفاسير الإسلامية أخذت من الإرث الميثولوجي اليهودي بلا حدود؛ والثاني هو تبنيها للرأي اليهودي بأن الكنعانيين، سكان البلاد الأصليين، كانوا أعداء لله وأنبيائه، وأن الأرض، بحكم إلهي مبرم، لم تكن لهم، بل لبني إسرائيل. يقول الطبري في تفسيره للآية: " الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : " قَالَ رَجُلَانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمَا "، وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه عَزَّ ذِكْره عَنْ الرَّجُلَيْنِ الصَّالِحَيْنِ مِنْ قَوْم مُوسَى : يُوشَع بْن نُون ، وَكَالِب بْن يوفنا ، أَنَّهُمَا وَفَّيَا لِمُوسَى بِمَا عَهِدَ إِلَيْهِمَا مِنْ تَرْك إِعْلَام قَوْمه بَنِي إِسْرَائِيل الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِ الْأَرْض الْمُقَدَّسَة عَلَى الْجَبَابِرَة مِنْ الْكَنْعَانِيِّينَ ، بِمَا رَأَيَا وَعَايَنَا مِنْ شِدَّة بَطْش الْجَبَابِرَة وَعِظَم خَلْقهمْ ، وَوَصَفَهُمَا اللَّه بِأَنَّهُمَا مِمَّنْ يَخَاف اللَّه وَيُرَاقِبهُ فِي أَمْره وَنَهْيه ".

ويقول القرطبي في الإطار ذاته: " فَرَجَعَ النُّقَبَاء كُلّهمْ يَنْهَى سِبْطه عَنْ قِتَالهمْ ، إِلَّا يُوشَع بْن نُون ، وَكَالِب بْن يوفنا ، يَأْمُرَانِ الْأَسْبَاط بِقِتَالِ الْجَبَّارِينَ وَمُجَاهَدَتهمْ ، فَعَصَوْهُمَا ، وَأَطَاعُوا الْآخَرِينَ ، فَهُمَا الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمَا عِكْرِمَة ، عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قِصَّة ذَكَرَهَا ، قَالَ : فَرَجَعُوا - يَعْنِي النُّقَبَاء الِاثْنَيْ عَشَر - إِلَى مُوسَى ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَا عَايَنُوا مِنْ أَمْرهمْ "؛ وفي رواية أخرى يذكر القرطبي: " فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : اُكْتُمُوا شَأْنهمْ وَلَا تُخْبِرُوا بِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعَسْكَرَة ! فَإِنَّكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُمُوهُمْ بِهَذَا الْخَبَر فَشِلُوا وَلَمْ يَدْخُلُوا الْمَدِينَة . قَالَ : فَذَهَبَ كُلّ رَجُل مِنْهُمْ ، فَأَخْبَرَ قَرِيبه وَابْن عَمّه ، إِلَّا هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يُوشَع بْن نُون وَكِلَاب بْن يوفنا ، فَإِنَّهُمَا كَتَمَا وَلَمْ يُخْبِرَا بِهِ أَحَدًا "؛ وفي نص: " لَمَّا نَزَلَ بِهَا مُوسَى وَقَوْمه ، بَعَثَ مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر رَجُلًا ، وَهُمْ النُّقَبَاء الَّذِينَ ذَكَرَ نَعْتهمْ لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِهِمْ . فَسَارُوا ، فَلَقِيَهُمْ رَجُل مِنْ الْجَبَّارِينَ ، فَجَعَلَهُمْ فِي كِسَائِهِ ، فَحَمَلَهُمْ حَتَّى أَتَى بِهِمْ الْمَدِينَة ، وَنَادَى فِي قَوْمه ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ ، فَقَالُوا : مَنْ أَنْتُمْ ؟ فَقَالُوا : نَحْنُ قَوْم مُوسَى ، بَعَثَنَا إِلَيْكُمْ لِنَأْتِيَهُ بِخَبَرِكُمْ ، فَأَعْطَوْهُمْ حَبَّة مِنْ عِنَب بِوِقْرِ الرَّجُل ، فَقَالُوا لَهُمْ : اِذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَوْمه ، فَقُولُوا لَهُمْ : اُقْدُرُوا قَدْر فَاكِهَتهمْ ! فَلَمَّا أَتَوْهُمْ ، قَالُوا لِمُوسَى : " اِذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ "، " قَالَ رَجُلَانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمَا "، وَكَانَا مِنْ أَهْل الْمَدِينَة أَسْلَمَا وَاتَّبَعَا مُوسَى وَهَارُون ، فَقَالَا لِمُوسَى : " اُدْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَاب فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّه فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " . فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة وَهَذَا التَّأْوِيل لَمْ يَكْتُم مِنْ الِاثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا أَحَدًا مَا أَمَرَهُمْ مُوسَى بِكِتْمَانِهِ بَنِي إِسْرَائِيل مِمَّا رَأَوْا وَعَايَنُوا مِنْ عِظَم أَجْسَام الْجَبَابِرَة وَشِدَّة بَطْشهمْ وَعَجِيب أُمُورهمْ ، بَلْ أَفْشَوْا ذَلِكَ كُلّه . وَإِنَّمَا الْقَائِل لِلْقَوْمِ وَلِمُوسَى : اُدْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَاب ، رَجُلَانِ مِنْ أَوْلَاد الَّذِينَ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيل يَخَافُونَهُمْ وَيَرْهَبُونَ الدُّخُول عَلَيْهِمْ مِنْ الْجَبَابِرَة ، كَانَ أَسْلَمَا وَتَبِعَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " – مع ضرورة ملاحظة أن تعبير أسلم مستخدم هنا حتى في عهد موسى؟؟!!

أخيراً، يخبرنا القرطبي أن بني إسرائيل في ترددهم أرادوا العودة إلى مصر: " لَمَّا هَمَّ بَنُو إِسْرَائِيل بِالِانْصِرَافِ إِلَى مِصْر حِين أَخْبَرَهُمْ النُّقَبَاء بِمَا أَخْبَرُوهُمْ مِنْ أَمْر الْجَبَابِرَة ، خَرَّ مُوسَى وَهَارُون عَلَى وُجُوههمَا سُجُودًا قُدَّام جَمَاعَة بَنِي إِسْرَائِيل ، وَخَرَقَ يُوشَع بْن نُون وَكَالِب بْن يوفنا ثِيَابهمَا ، وَكَانَا مِنْ جَوَاسِيس الْأَرْض ، وَقَالَا لِجَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيل : إِنَّ الْأَرْض مَرَرْنَا بِهَا وَجَسَسْنَاهَا صَالِحَة رَضِيَهَا رَبّنَا لَنَا فَوَهَبَهَا لَنَا ، وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُفِيض لَبَنًا وَعَسَلًا ، وَلَكِنْ اِفْعَلُوا وَاحِدَة ، لَا تَعْصُوا اللَّه ، وَلَا تَخْشَوْا الشَّعْب الَّذِينَ بِهَا ، فَإِنَّهُمْ جُبَنَاء ، مَدْفُوعُونَ فِي أَيْدِينَا ، إِنْ حَارَبْنَاهُمْ ذَهَبَتْ مِنْهُمْ ، وَإِنَّ اللَّه مَعَنَا فَلَا تَخْشَوْهُمْ . فَأَرَادَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَرْجُمُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ "
إنتهى المقال

من النصوص القرآنية الاُخرى التي تزعم أن الإله قد أورث بني إسرائيل الأرض وأنه يريد ذلك وأنه آتاهم الحُكم والإمامة

وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارقَ الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحُسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (الأعراف 137)

ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم في الأرض  (القصص)

فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59)  (الشعراء)

ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحُكم والنبوةَ ورزقناهم من الطيباتِ وفضلناهم على العالمين (الجاثية 16)

مواضيع ذات علاقة
الأديان الإبراهيمية تطمس التأريخ الفلسطيني
فيديوات: الكتاب المقدس بدون حجاب

11 تعليق(ات):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي ناشرها