محرك البحث اللاديني المواقع و المدونات
تصنيفات مواضيع "مع اللادينيين و الملحدين العرب"    (تحديث: تحميل كافة المقالات PDF جزء1  جزء2)
الإسلام   المسيحية   اليهودية   لادينية عامة   علمية   الإلحاد   فيديوات   استفتاءات   المزيد..
اصول الاسلام  تأريخ القرآن ولغته  (أخطاء علمية / ردود على مزاعم الإعجاز في القرآن والسنة)  لاعقلانية الإسلام  العدالة والأخلاق  المزيد..

02‏/10‏/2007

مصادر الإسلام - من كتاب (لماذا لست مسلما؟) للكاتب ابن الوراق

ترجمة إبن المقفع
المصدر منتدى الملحدين العرب
مصادر الاسلام - الفصل الأول من كتاب (لماذا لست مسلما؟) للكاتب ابن الوراق
"كانت أهم المراحل في التأريخ الإسلامي تتميز باحتواء التأثيرات الخارجية.... فلم يدعي مؤسسه أفكارا جديدة. ولم يثري المفاهيم السابقة له عن علاقة الإنسان بالخارق والمطلق.... كانت رسالة نبي العرب مؤلفا تخيّريّا من الأفكار والأحكام الدينية. كانت احتكاكاته بعناصر يهودية ومسيحية وعناصر أخرى والتي أثرت عليه بعمق هي التي اقترحت عليه الأفكار."108
أغناس غولدزيهر
Ignaz Goldziher
لم يكن محمد مفكرا أصيلا. فلم يصغ أي مبادئ أخلاقيّة, ولكنه فقط استعار من المحيط الثقافي السائد. لقد عُرفت الطبيعة الانتقائية للإسلام لفترة طويلة. فحتى محمد عرف أن الإسلام ليس دينا جديدا, وان الكلام الموحى في القرآن كان مصدّقا وحسب للنصوص السابقة له والموجودة فعلا. لطالما ادعى النبي وجود علاقة مع الأديان العظمى الأخرى لليهود والمسيحيين وغيرهم. وقد اعترف المعلّقين المسلمين كالشهرستاني أن النبي نقل إلى الإسلام معتقدات و ممارسات العرب المشركين أو الوثنيين, خصوصا إلى طقوس الحج إلى مكة. ومع ذلك يستمر المسلمون عموما في ادعائهم أن إيمانهم أتى مباشرة من السماء وان القرآن قد أنزل على يد الملاك جبريل من الله نفسه على محمد. يعتبر القرآن أزلي التكوين, دوّن في السماء, موجود هناك كما هو في اللوح المحفوظ (سورة البروج: 22,سورة الأنعام 19,سورة القدر). الله هو مصدر الديانة الإسلامية – وأن تقول بوجود مصدر إنساني لأي جزء منها هو ليس فقط جحود ولكنه أيضا هراء و بالتأكيد تطاول على الذات الإلهية. لربما يمتلك المسلمون ذلك الخوف الآتي من اللاوعي من أنه أذا أمكننا إرجاع تعاليم القرآن إلى مصدر بشري وارضي بحت, فحينها سيتداعى كل البناء الإسلامي. ولكن كما تعود رينان Renan أن يقول " الأديان حقائق, يجب أن تناقش كحقائق, وأن تتعرض إلى قوانين النقد التاريخي"109 ولكي نعيد صياغة العبارة110, نقول أن الدراسة النقدية لمصادر القرآن ستعطي نتائج تاريخية محددة, فقط عندما تتم بروح علمانية ودنيوية صرفة من قبل أناس غير متأثرين بعلوم الدين الإيمانية. حينها فقط سوف نستطيع الوصول ثانية إلى شخصية محمد التاريخية, وحينها فقط سيمكن لحياته الخارقة للعادة أن تدخل ضمن التاريخ الإنساني بمعنى علماني, لنا كلنا, مسلمين وغير مسلمين.

أعمال أغناس غولدزيهر و هنري كوربن Henri Corbin عن تأثير الزرادشتية على الإسلام و أعمال جيجر Geigerوتوري Torreyو كاتش Katsch عن تأثير اليهودية و عمل ريتشارد بيل Richard Bell الطليعي عن تأثير المسيحية وأعمال ويلهاوسن Wellhausen ونولدكة Noldeke و هرغرونج Hurgronje و روبرتسون سمث Robertson Smith عن تأثير الصابئية وتأثير المحيط في الجزيرة العربية في العصر الجاهلي وعمل آرثر جفري Arthur Jeffery عن المفردات الأجنبية في القرآن , كلها تجتمع لتجعلنا نتفق مع استنتاج زويمر Zwemer أن الإسلام " ليس اختراعا, ولكنه خلطة, ليس هنالك من جديد فيها ما عدا عبقرية محمد في مزج مواد قديمة ليكون وصفة لعلاج كل الآلام الإنسانية و ليفرضها بواسطة السيف"111 .

الوثنية العربية

ليس هنالك من شك انه في فقرات عديدة من القرآن " يكسو الطلاء الإسلامي بصورة رقيقة وحس أرضيةً وثنية "112 فعلى سبيل المثال في سورة الفلق :" بسم الله الرحمن الرحيم*قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ*مِن شَرِّ مَا خَلَقَ* َمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ* وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقد* وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ"
يدين الإسلام بالكثير من تفاصيله الخرافية إلى الديانة الوثنية العربية وخصوصا في ما يتعلق بمناسك وطقوس الحج إلى مكة( راجع سورة البقرة:153 وسورة الحج: 28-30 وسورة1 المائدة-4 وسورة الحج 37). ونستطيع أيضا أن نجد بقايا للوثنية في أسماء بعض المعبودات القديمة( سورة النجم19-20 و سورة22 نوح-23), وفي الخرافات المتعلقة بالجن و القصص القديمة كقصتي عاد وثمود.

الحج

وقوم أتوا من أقاصي البلاد لرمي الحجار ولثم الحجر
فوا عجبي من مقالاتهم أيعمى عن الحق كل البشر
-------------------------------------------------
أنّما هذه المذاهب أس- بابٌ لجذب الدنيا إلى الرؤساء
أفيقوا أفيقوا يا غواة فإ- نّما ديانتكم مكرٌ من القدماء
المعرّي113

-"أبحث عن الطريق, ولكن ليس الطريق إلى الكعبة والمعبد لأنني أجد في الأول حشودا من الوثنيين وفي الأخير عصبة من عابدي ذاتهم".
جلال الدين الرومي114

-"لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّلك ما قبّلتك".
الخليفة عمر يخاطب الحجر الأسود في الكعبة115

-"إن الحج إلى مكة بكل خرافاته و مناسكه الطفولية هو, من وجهة نظر أخلاقية, مؤامرة من محمد على التوحيد"
اس. زويمر116


اقتبست مناسك الحج بأكملها بصورة وقحة من ممارسات قبل إسلامية:" قطعة من وثنية غير مفهومة أخذت و أدمجت في الإسلام"117 . الحج أو الحج الأكبر إلى مكة يقام ‏في شهر ذي الحجة, أو الشهر الثاني عشر من السنة الإسلامية. وهو الركن الخامس من الإسلام, و واجب ديني مفروض مؤسس على أوامر في القرآن. على كل مسلم ذو صحة جيدة و متمكن بصورة كافية أن يؤدي فريضة الحج مرة في حياته.

تشكل أول سبعة أيام الحج الأصغر(العمرة) والتي من الممكن إقامتها في أي وقت عدا الأيام الثامن والتاسع والعشر من شهر ذي الحجة. فهذه الأيام مخصصة للحج الأكبر , و الذي يبدأ في الثامن.

الأيام الخمسة الأولى

في البداية عندما يصل الحاج إلى نقطة على بعد عدة أميال خارج مكة, يقوم بإعداد نفسه لكي يكون في حالة من الطهارة أو القداسة. وبعد أن يقوم بارتداء لباس الحج البسيط و يؤدي الوضوء والصلاة, يدخل الحاج إلى الأراضي المقدسة المجاورة لمكة, حيث من المتوقع منه أن يمتنع عن قتل الحيوانات و قلع النباتات و القيام بأعمال عنف و المشاركة في العملية الجنسية. ثم انه يقوم بعمليات وضوء وابتهالات عند المسجد الحرام بمكة, ثم انه يقبل الحجر الأسود, الموضوع داخل الركن الشرقي من الكعبة والتي هي بناء مكعّب في داخل الصحن الفناء المكشوف للمسجد الحرام.

يلتفت الحاج بعد ذلك إلى اليمين و يقوم بالطواف حول الكعبة سبع مرّات, ثلاث مرات بخطى سريعة. وأربع مرات بخطى بطيئة. وفي كل مرة يمر حول الكعب يقوم بلمس الركن اليماني, حيث موضع حجر مبارك آخر ويقبل الحجر الأسود أيضا.

يتجه الحاج بعد ذلك إلى مقام إبراهيم , المكان الذي يقال أن إبراهيم صلى منه إلى الكعبة. يقوم بصلاتين اخرتين ثم يعود إلى الحجر الأسود ليقبله. بقرب ذلك يوجد بئر زمزم المقدسة, حيث شربت هاجر وشرب ابنها إسماعيل في البريّة حسب التقليد الإسلامي. ينتقل الحجيج إلى مكان محاط يسمى بالحجر, المكان الذي يعتقد المسلمون أن هاجر وإسماعيل دفنا فيه, والمكان الذي قيل أن محمدا نفسه يوما ما قد نام عليه في ليلة إسراءه الاعاجيبي من مكة إلى القدس.

اليوم السادس إلى العاشر

يغادر الحاج المسجد الحرام من أحدى بواباته الأربعة والعشرون. وفي الخارج يقوم يتسلق التل قليل الانحدار المعروف بجبل الصفا, مرددا خلال ذلك آيات من القرآن -كذا-. هذه المناسك السخيفة تذكر ببحث هاجر المفترض عن الماء في البرية.

هذا هو اليوم السادس من الحج, يتم قضاء المساء في مكة حيث يقوم (الحاج) بالطواف حول الكعبة مرة واحدة أخرى. وفي اليوم السابع , يقوم (الحاج) بالاستماع إلى خطبة في المسجد الكبير, وفي اليوم الثامن ينتقل إلى منى حيث يقوم بالفروض الإسلامية المعتادة ويبيت هناك. وفي اليوم التاسع. وبعد صلاة الفجر, ينتقل الحاج إلى جبل عرفة حيث يقام منسك الوقوف بعرفة .

طبقا للتقليد الإسلامي التقى ادم وحواء هناك بعد هبوطهما من الجنة. هناك يردد الحاج الصلوات المعتادة ويستمع إلى خطبة أخرى موضوعها عن التوبة. ثم يفيض إلى مزدلفة, موضع بين منى وعرفة, وهناك من المطلوب منه أن يقيم صلاة المغرب.

اليوم التالي وهو العاشر, هو يوم الأضحية, ويحتفل به في أرجاء العالم الإسلامي كعيد الأضحى. يؤدي المتعبدون صلواتهم مبكرا في الصباح في مزدلفة ثم ينتقلون إلى مواضع الرجم الثلاثة في منى . يرمي الحاج سبع حصوات على كل موضع من مواضع الرجم, ويسمى الطقس رمي الجمار, يرمي الحاج عن بعد لا يقل عن خمسة عشر قدما ويقول " بسم الله العظيم افعل هذا وبكره لإبليس وخزيه""-كذا-( يكبّر فقط عند رمي الجمار وقد يدعى إلى الله. المترجم) . ترمى بقية الجمرات في نفس اليوم. يعود الحاج ويقوم بالتضحية بعنزة أو حمل. وبعد الوليمة, يحتفل الحاج بطقس التحلل, عندما يقوم الكثير من الحجيج بحلق رؤوسهم أو ببساطة يقومون بقص بضع خصل.

يضفي المسلمون صبغة منطقية لهذه الخرافات العملية بوصفها رمزا لمقاومة إبراهيم لإبليس, والذي حاول أن يمنع السلف العظيم من أداء مهمته الإلهية في التضحية بابنه الغالي إسماعيل. التضحية بحمل أو عنزة ببساطة تحيي ذكرى فداء أضحية إبراهيم بكبش.

كيف أمكن لمقاوم للوثنية, وشخص موحد لا يلين عن موقفه مثل محمد إن يدخل كل هذه الخرافات الوثنية إلى قلب الإسلام؟ معظم المؤرخين يوافقون على انه لو رفض اليهود والمسيحيين موسى ويسوع وفضلوا اتباع محمد على انه نبي يعلم ديانة إبراهيم في مكة عندما اعتبر محمد القدس هي القبلة , لكانت القدس بدلا من مكة المدينة المقدّسة, ولكانت الصخرة القديمة وليست الكعبة موضع التوقير المليء بالخرافة.

استقبل محمد أمرا من الله وهو محبط من عناد اليهود, وهو يعرف أن هنالك فرصة ضئيلة كي يقبلوه كنبيهم الجديد, يخبره ذلك الأمر بتحويل القبلة (سورة البقرة 144) من القدس إلى الكعبة بمكة. وقد علم أن هنالك فرصة لا بأس بها في السيطرة مستقبلا على مكة بكل متعلقاتها التاريخية.

في العام السادس للهجرة, حاول محمد أن يدخل مكة مع اتباعه لكنه فشل, التقى المكّيون والمدنيون في الحديبية على حدود المنطقة المقدسة. بعد الكثير من المفاوضات, وافق المسلمون على العودة إلى المدينة, ولكنهم أعطوا الإذن لممارسة المنسك في مكة في العام المقبل. أتى محمد مع الكثير من اتباعه إلى مكة في العام السابع للهجرة و قام بالطواف حول الكعبة مقبلا الحجر الأسود كجزء من الطقوس.

احتلت مكة من قبل محمد واتباعه في العام اللاحق, العام الثامن للهجرة. وفي البداية انضم المسلمون في موسم الحج إلى غير المؤمنين من العرب, ولكن بدون وجود النبي نفسه بينهم. ولكن, وبعد ذلك بقليل, أعلن وحي من الله أن كل الاتفاقيات بين المسلمين و غير المؤمنين يجب أن تنقض, وانه لا احد عدا المؤمنين الحقيقيين يمكنه أن يصل إلى مكة أو أن ينضم إلى موسم الحج.

و أخيرا نقتبس من زويمر
"في السنة العاشرة للهجرة أدى محمد مناسك الحج إلى مكة, البناء المقدس القديم لآبائه, وأصبحت كل تفصيلة غير قائمة على دليل من تفاصيل الفرض الذي أداه مسألة من صلب الإسلام. وكما يقول ويلهاوسن, كانت النتيجة" لدينا الآن محطات لمسيرة في طريق الآلام بدون تأريخ الآلام نفسه(في إشارة إلى طقوس الحج المسيحية في القدس. المترجم). الممارسات الوثنية تفسر بواسطة اختراع أساطير إسلامية منسوبة إلى شخصيات كتابية, وكل هذا هو خليط غير مفهوم من التقاليد الخيالية"118.
الإسلام هو من ابتكار وسط وغرب الجزيرة العربية . ولسوء الحظ فمعرفتنا بديانة العرب الوثنيين في تلك المناطق ضئيلة. اضطر الباحثون بسبب فقدان الدليل المنقوش للاعتماد على ابن الكلبي( توفي عام 819 للميلاد) مؤلف كتاب الأصنام, حول الأسماء الأعلام التي تحمل اسما لإله بمعنى الأسماء التي تصف حاملها كعبد أو هدية أو فضل..الخ, لهذا الإله أو ذلك, ويدور الكتاب أيضا حول وصلات من الشعر الجاهلي و حول تلميحات مثيرة للجدل في القرآن " وختاما" نقتبس من نولدكة(ناقد للقرآن. المترجم)

" يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار الحقيقة القائلة أن محمدا ادخل إلى دينه عددا من الممارسات و الاعتقادات الوثنية, مع تعديل بسيط أو بدون أي تعديل,وان بقايا الوثنية المختلفة أيضا, والتي هي دخيلة على الإسلام السنّي, قد احتفظ بها من قبل العرب إلى عصرنا هذا (نهاية القرن التاسع عشر. المترجم). إن من المسائل المعتاد ملاحظتها أن تبني إيمانا جديدا لا يحول بطريقة كاملة المعتقدات الشعبية, وان المفاهيم القديمة , متنكرة بحملها مسميات مختلفة نوعا ما , عادة ما تبقى ب أو بلا تشريع من السلطات الدينية"119

ومما يمكن إضافته أن محمدا ركّز في الحج الإسلامي بصورة بارعة عدة طقوس كانت قبلا تتم بصورة مستقلة تماما في مقامات مقدسة و أماكن أخرى.

كان المجتمع ما قبل الإسلامي في الجزيرة العربية منظما حول القبيلة, وكان لكل قبيلة معبود الرئيسي الذي كان يعبد في مقام ثابت حتى من قبل البدو المرتحلين. استقر المعبود في صخرة ولم تكن الصخرة بالضرورة منحوتة في شكل آدمي. أحيانا كانت الصخرة المقدسة تمثالا و أحيانا أخرى ببساطة جلمودا كبيرا أو صخرة شكلها يشبه شكل إنسان. ومن الواضح أن العرب الوثنيون تخيلوا أن كتلة الصخر التي تقوم مقام الطوطم ( صخرة أو شجرة أو جبل هو محل استقرار الإله) قد تخللتها الطاقة الإلهية و هكذا فهي مصدر للتأثير الإلهي.

أسماء التلّين: الصفا والمروة, يعنيان صخرة, بما معناه, وثن. كان الوثنيون يركضون بين التلّين لكي يلمسوا ويقبّلوا أساف ونائلة وقد وضعت الأصنام هناك كوسيلة لاجتلاب الحظ والسعد.

الحجر الأسود المقدّس وهبل

لدينا الدليل على أن الحجر الأسود كان يعبد في مختلف أجزاء الجزيرة العربية. على سبيل المثال, يذكر كليمنضوس الاسكندراني عام 190 للميلاد أن" العرب يعبدون حجرا" ملمحا إلى الحجر الأسود لذي الشرى ( ذو الشرى هو الاله القومي للأنباط) في البتراء. ماكسيموس تيريوس Maximus Tyrius كتب في القرن الثاني قائلا," سكان العربية يتوجهون بالعبادة إلى ما لا اعرف أي اله هو, والذي يرمزون إليه بحجر مكعب", وهو يلمح إلى الكعبة التي تحتوي على الحجر الأسود. قدم الحجر الأسود الكبير مشهود له أيضا من معرفتنا أن الفرس القدامى يدعون أن ماهاباد و خلفاءه تركوا الحجر الأسود في الكعبة بالإضافة إلى آثار وصور أخرى , وان الحجر يرمز إلى زحل.

في جوار مكة توجد حجارة مقدسة أخرى والتي كانت في البداية طواطم , " ولكنها اكتسيت شخصية محمدية( إسلامية) سطحيا من خلال جعلها ذات علاقة بشخصية مقدّسة معينة"120

من المؤكد ان الحجر الأسود نفسه هو نيزك وانه يدين بقدسيته بلا شك إلى حقيقة انه سقط من " السماء" . ومن سخرية القدر أن المسلمين يقدسون قطعة من الحجر باعتبارها أعطيت لإسماعيل من قبل الملاك جبريل ليبني الكعبة مع العلم انه , ونقتبس من مارغوليوث Margoliouth,: " الحجر مشكوك بأصالته, وذلك أن الحجر الأسود قد رفع من مكانه على يد....القرامطة في القرن الرابع للهجرة, وأعيد من قبلهم بعد ذلك بعدة سنين, ومن الممكن أن يشك المرء إن كان الحجر الذي أعادوه كان نفس الحجر الذي رفعوه من مكانه"121

كان هبل يعبد في مكة. وكان الصنم الذي يمثله مصنوعا من العقيق الأحمر منتصبا داخل الكعبة فوق البئر الجاف الذي يلقي فيه المرء تقدمات نذرية. ومن ما يحتمل بشدة انه كان لهبل شكل بشري. يقترح موقع انتصاب هبل قرب الحجر الأسود أن هنالك علاقة بين الاثنين. يقترح ويلهاوسن أن هبل كان في الأصل الحجر الأسود والذي كما قد اشرنا, كان اقدم من الصنم. يشير ويلهاوسن أيضا إلى أن الله يسمى رب الكعبة ورب منطقة مكة في القرآن ( أشارة إلى ما جاء في القرآن "فليعبدوا رب هذا البيت". المترجم). قاوم النبي فروض العبادة المقدمة في الكعبة إلى الإلهات اللات و مناة و العزى , واللاتي اسماهن أهل مكة بنات الله, لكن محمدا امتنع عن مهاجمة عبادة هبل. لهذا يستنتج ويلهاوسن أن هبل لم يكن غير الله" إله" أهل مكة. عندما هزم المكيون النبي قرب المدينة قيل أن قائدهم صاح " أعلوا هبل".

كان الطواف بالمقامات طقسا شائعا جدا ويمارس في مناطق عديدة. وكان الحاج خلال طوافه عادة ما يقبل أو يحتضن الصنم. يعتقد السير ويليام مر أن الطواف سبعا حول الكعبة " كان ربما رمزا لدوران الكواكب السيارة"122( الشمس, عطارد, الزهرة, القمر, المريخ, المشتري, زحل). بينما يذهب زويمر بعيدا بقوله أن الطواف سبعا حول الكعبة, ثلاث مرات هرولة وأربع مرات مشيا كانت " تقليدا للكواكب الداخلية والخارجية"123.

إن من المؤكد أن العرب" في فترة متأخرة نسبيا قد عبدوا الشمس والأجسام السماوية الأخرى"124. تظهر مجموعة الثريا النجمية, وهي التي من المفروض أن تنزل المطر, كمعبود. كانت هنالك أيضا عبادة كوكب الزهرة والتي تكرم كآلهة عظيمة تحت مسمّى العزّى.

نعرف من العدد الكبير من الأسماء التي تتعلق بالآلهة أن الشمس كانت من ضمن المعبودات. الشمس كانت تدخل في ألقاب العديد من القبائل (كبني عبد شمس. المترجم) وتكرّم من خلال مقام وصنم. يرى سنوك هرغرونج125 وجود أثرٍ لعبادة الشمس في منسك الوقوف بعرفة.

تعرف أيضا الإلهة اللات أحيانا بمعبود شمسي و كان الإله ذو الريح على الأغلب إلها للشمس الشارقة. ومن الواجب أن يكون المنسك الإسلامي في الركض بين عرفة ومزدلفة و بين مزدلفة ومنى تاما بعد غروب الشمس وقبل شروقها. كان هذا تغييرا مقصودا ادخل من قبل محمد لكي يغطي هذا الارتباط بطقس عبادة الشمس الوثني, والذي سنشاهد أهميته لاحقا. و من ما يشهد لوجود عبادة قمرية هو أسماء الأعلام كهلال و قمر ..الخ.

وقد اقترح هوتسما126 Houtsma أن الرجم الذي يتم في منى كان في الأصل موجها إلى عفريت الشمس. ومما يؤكد إمكانية هذه الفكرة الحقيقة القائلة أن الحج كان في الأصل مرتبطا بالاعتدال الخريفي (اليوم من السنة عندما يكون طول النهار مثل طول الليل. المترجم). فيطرد عفريت الشمس و ينتهي حكمه الظالم بحلول الصيف والذي يتبعه عبادة أله الرعد الذي يجلب الخصب في مزدلفة.

كانت مزدلفة موضعا لعبادة النار. يشير المؤرخون المسلمون إلى هذا التل كتل النار المقدسة. كان اله مزدلفة هو قزح (صاحب قوس قزح أو قوس الطيف...الكلمة الوحيدة في العربية التي ما زالت تحمل محتوى وثنيا جاهليا. المترجم), وكان إلها للرعد. وكما يقول وينسنك:" النار كانت توقد في الجبل المقدس وتسمى أيضا قزح. وكان يقام هناك وقوف وكان هذا الوقوف ذو شبه عظيم بذلك الذي على سيناء. وفي كلا الحالتين كان اله الرعد يظهر في النار. ومما يمكن احتماله أيضا أن العادة التقليدية في إيجاد اكبر قدر من الضجيج والصياح كانت في الأصل تعويذة لجلب التعاطف ومخاطبة الرعد."127


لفريزر Frazerفي كتابه الهراوة الذهبية تفسيرا آخر لطقس رمي الجمار:

"كان الحافز لرمي الجمار أحيانا لدفع شر روح شريرة , وأحيانا للتخلص من شر معين, وأحيانا كانت لجلب الخير وفي أحيان أخرى, وإذا كان بإمكاننا أن نتتبع الرمي إلى أصوله في ذهن الإنسان البدائي, ربما سنجد أن كل هذه التقاليد ترجع بشكل أو بآخر إلى مبدأ نقل الشر.,.... وهذا ربما يفسر طقس رمي الجمار في مكة ,.. ربما كانت الفكرة الأصلية أن الحاج يطهر نفسه بواسطة نقل نجاستهم الروحية إلى الأحجار التي كانوا يهيلون عليها الحجارة."128

وطبقا إلى جوينبول Juynboll, كان للحج في الأساس طبيعة سحرية

" كان هدفه في الأزمنة المبكرة هو استجلاب سنة جديدة سعيدة بمطر غزير و سطوع للشمس و وفرة في الخيرات و كثرة في الماشية والحبوب. كان الكثير من النذور تحرق في عرفات و مزدلفة , ربما لتحفيز الشمس على السطوع في السنة الجديدة . كان الماء يصب على الأرض كتعويذة ضد الجفاف. وربما كان رمي الجمار في أماكن معينة في منى وهو أثر لوثنية بدائية في الأصل رمزا للتخلص من ذنوب السنة السابقة , وهكذا كانت نوعا من التعاويذ ضد العقاب الإلهي و الحظ السيئ"129.

بصورة مشابهة, يمكن أن تكون للإفاضة من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى معنى سحريا. وربما كان الاحتفال بالعيد عند نهاية كل المناسك رمزا للغزارة في الخيرات المتوقعة في نهاية السنة. وكانت فروض الامتناع المختلفة على الحاج في الأساس وسيلة لنقل الحاج إلى حالة من الطاقة السحرية.

الكعبة

كان الوثن على العموم يوضع في حرم مقدس محدد بالصخور. وكان هذا النطاق المقدس مجالا لطلب الالتجاء للأحياء كلها. وعادة ما يجد المرء بئرا في هذا النطاق المقدس . ونحن لا نعلم متى بنيت الكعبة أولا. ولكن اختيار الموضع يدين إلى وجود بئر زمزم, والتي توفر الماء الثمين للقوافل التي تمر بمكة في طريقها إلى اليمن أو إلى الشام.

كان المؤمنون يظهرون تكريمهم بتقدمات و أضحيات. وكان في داخل الكعبة بئر جافة توضع فيه التقدمات. والحاج القادم لتكريم الوثن عادة ما يحلق رأسه ضمن النطاق المقدس أو الحرم. ومن الملاحظ أن كل هذه المناسك موجودة بشكل أو بآخر في الإسلام.

طبقا لما ذكره المؤلفون المسلمون, كانت الكعبة في البداية مبنية في السماء, حيث يوجد نموذج لها لحد الآن (يقصد البيت المعمور. المترجم), وذلك بألفي سنة قبل خلق الكون. شيد آدم الكعبة على الأرض ولكنها دمّرت خلال الطوفان. علّم إبراهيم كيف يعيد بنائها, وقد ساعد إسماعيل إبراهيم في ذلك. وخلال بحثه عن حجر ليعلّم موضع الزاوية من البناء, قابل إسماعيل الملاك جبريل, والذي أعطاه الحجر الأسود, والذي كان آنذاك أكثر بياضا من اللبن, وقد اسود لونه في ما بعد من حمله خطايا هؤلاء الذين يلمسونه. وهذا , بالطبع, هو تطويع للأسطورة اليهودية عن وجود أورشليم الأرضية وأورشليم السماوية (وهذا ما لاحظته قبل أن اقرأ الكتاب. المترجم).

بالرغم من كون موير وتورّي مقتنعين بأن المصدر الإبراهيمي للكعبة كان معتقدا شائعا لفترة طويلة قبل عصر محمد, إلا أن سنوك هرغرونج و لويس سبرنغر متفقان على أن الربط بين إبراهيم والكعبة كان اختراعا شخصيا لمحمد, وقد خدم ذلك كوسيلة لتحرير الإسلام من اليهودية. واستنتاج سبرنغر هو استنتاج قاسي حيث يقوا:" بهذه الكذبة,... أعطى محمد للإسلام كل ما يحتاجه الإنسان والذي يفرق بن الديانة والفلسفة, لقد أعطاه قومية و طقوسا وذكريات تاريخية وأسرارا مع ضمان لدخول الجنة, وفي نفس الوقت سالبا منه وعيه ووعي الآخرين"130.

الله

يدين الإسلام أيضا بمصطلح "الله" إلى العرب الوثنيين. لدينا دليل على أن المصطلح دخل إلى أسماء أشخاص عديدين في شمال الجزيرة العربية وعند الأنباط. وهو يتكرر عند العرب في الأزمنة اللاحقة, وذلك في الأسماء المركبة من أسماء آلهة و في استخدام الاسم لمفرده. يقتبس ويلهاوسن أيضا من الأدب الجاهلي حيث يذكر الله كمعبود عظيم. ولدينا أيضا شهادة القرآن نفسه حيث هو الإله المعروف بإنزال المطر وهو الخالق و نحو ذلك, كانت كل جريرة المكيين انم عبدوا آلهة أخرى. وفيما بعد أطلق اسم الله فقط على الإله الأعلى ." وعلى أي حال من المهم جدا تذكر الحقيقة القائلة بان محمدا لم يجد انه من الضروري إدخال اله جديد دفعة واحدة, ولكنه اقنع نفسه بتخليص الله الوثني من شركائه معرضّا إياه إلى نوع من التطهير العقائدي.... لو لم يكن متعودا منذ صغره على فكرة الله الإله الفائق, بالتحديد اله مكة الفائق, لكان من المشكوك فيه أن يقدم على دعوة إلى التوحيد."131

اقتبس ,أو بالأحرى احتفظ, القرآن بالعادات التالية من العرب الوثنيين: تعدد الزوجات, العبودية, الطلاق سهل الوقوع وقوانين اجتماعية عامة أخرى, الختان, و طقوس التطهير. شارك كل من وينسنك ونولدكه و غولدزيهر في دراسة العناصر الأرواحية (الارواحية: الاعتقاد بان الأرواح المقدسة تسكن في الجمادات. المترجم) في الطقوس المتعلقة بالصلاة الإسلامية132. ففي التحضير للصلوات الخمس, خصوصا أثناء عملية الوضوء, الهدف هو تحرير المتعبّد من وجود أو تأثير الأرواح الشريرة ولا علاقة له البتة بمجرد النقاء الجسدي. ومن الواضح من خلال معرفة عدد لا يحصى من التقاليد أن محمدا نفسه روّج لعدد لا يحصى من الاعتقادات الخرافية في ما يتعلق بالطهر من الشياطين, و هو الموضوع الذي أخذه من وثنيته السائدة في فترة شبابه. وطبقا لإحدى التقاليد, فقد قال محمد :" إذا استيقظ أراه أحدكم من نومه فتوضأ فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه." (يستنثر= يتمخط, رواه البخاري والنسائي وأحمد والرواية للبخاري. المترجم) وفي مناسبة أخرى وعندما رأى محمد أن رجلا قد ترك بقعة على قدمه لم يمسسها الماء اخبر الرجل أن يعود فيتوضأ بشكل أفضل ثم وعضه قائلا:" إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب"( رواه مسلم والترمذي وأحمد والدارمي والرواية لمسلم. المترجم). وهذا القول يؤكد ما يذهب إليه غولدزيهر: انه طبقا للتصور الساميّ (من الشعوب الساميّة. المترجم) فالماء يذهب حاملا الشياطين. وكان النبي متعودا على "غسل" قدميه بينما هو مرتد لنعلين من خلال المسح بيديه على خارج النعلين بكل بساطة.

تقليديا, من المطلوب على المسلم أن يغطّي رأسه, خصوصا مؤخرة جمجمته. يعتقد وينسنك Wensinck أن المطلوب من هذا هو منع الأرواح الشريرة من دخول الجسم. العديد من الحركات التعبيرية والتحرّكات, وصوت المؤذن, ورفع اليدين...الخ, قد عرّفت على أنها ممارسات أرواحية في الأصل وقد استخدمت بصورة متكررة بدافع طرد الأرواح الشريرة.


الزرادشتية

إن نظرية تأثير الزرادشتية (والتي تسمى أحيانا بالبارسية)( من بارسيين ,الجاليةالزرادشتية في الهند. المترجم) والتي هي من الديانات العالمية قد عورضت (النظرية) من قبل العديد من المختصّين و دوفع عنها بضراوة من قل آخرين. يصرّح ويدينغرين بلا تردد:

"الأهمية التاريخية للديانات الإيرانية تقع في الدور الكبير الذي لعبته في التطورات الإيرانية وفي التأثير المهم للديانات ذات الطابع الإيراني على الغرب, خصوصا الديانة اليهودية في عصر ما بعد السبي, وعلى الديانات السريّة الهلنسية (المتأثرة بالحضارة اليونانية. المترجم) مثل المثرائية (مثل ممارسة عبادة مثرا (اله فارسي) لدى الرومان, العبادات السرية الأخرى تشمل أيضا عبادة ايزيس المصرية وباخوس اليوناني, تسمى سرية لأنها تتضمن طقوسا سرية. المترجم ) والتأثير على الغنوصية (ديانة مسيحية تعتقد أن المادة شر والروح خير وان الخلاص يكون عن طريق معرفة الحكمة. المترجم) وعلى الإسلام, والذي نجد فيه أفكارا إيرانية في التشيع, أهم مذاهبه في القرون الوسطى, وفي الاخرويات والاشراط الشائعة (العقائد المتعلقة بالأيام الأخيرة)"133.

ويدنغرين Widengren وضح التأثير الزرادشتي على العهد القديم خلال فترة السبي البابلي لليهود في كتابه الأديان الإيرانيةDie Religionen Irans (1965).. ربما كان مورتون سمث Morton Smith اول من أشار الى التشابهات المدهشة بين اشعياء الإصحاحات من 40-48 والتراتيل الزرادشتية المعروفة بالغاثا gatha (مؤلفة من قبل زرادشت نفسه. المترجم), خصوصا الغاثا 44: 3-5 ,فالتلميح إلى أن الله خلق الضياء والظلام يظهر في المؤلفين. وكان جون هينلزJohn Hinnels قد كتب عن " التخيلات الزرادشتية عن المخلص وتأثيرها على العهد الجديد", وكيف ان هذا التأثير قد أتى من الاحتكاكات بين اليهود والفرثيين (المملكة الإيرانية خلال بضعة قرون قبل وبعد الميلاد) وذلك في القرن الثاني قبل الميلاد. وفي أواسط القرن الأول قبل الميلاد134.

لقد تأثر الإسلام بصورة مباشرة بالديانة الإيرانية, ولكن التأثير غير المباشر على الإسلام من قبل اليهودية والمسيحية , هو شيء غير مشكوك فيه. ولهذه الأسباب,من المفيد ان نتابع المسائل المتناظرة بين اليهودية والزرادشتية.

" يشكل اهورا مزدا, رب إيران الأعلى, كلي القدرة, كل الوجود, وأزلي , ذو قدرة خلاقة, يمارسها بالخصوص من خلال سبينتا ماينيو- الروح القدس Spenta Mainyu-Holy Spirit ( سبينتا ماينيو تعني بالفارسية القديمة حرفيا الروح القدس. المترجم), ويحكم العالم من خلال مؤسسة من الملائكة وكبار الملائكة, يشكل النظير الأقرب في العصور القديمة إلى يهوه. ولكن قدرة اهورا مزدا معاقة من قبل غريمه أهريمان, والذي ستدمر مملكته,كما ستدمر مملكة الشيطان, في نهاية العالم....هنالك متناظرات مدهشة... في تعاليمها الأخروية, عقيدة تبديل العالم بعالم جديد,عقيدة ملكوت مثالي, قدوم المسيح, قيامة الأموات. كلا الديانتين... ديانتان موحى بهما. في واحدة منهما يوحي اهورا مزدا وينطق بأوامره إلى زرادشت على جبل المتقاربَين المقدسَين, وفي الثانية يتقارب يهوه مع موسى في سيناء بصورة مشابهة. أيضا فقوانين الطهارة الزرادشتية , خصوصا تلك التي تقام لازالة النجاسة الحاصلة من ملامسة مادة ميتة أو غير طاهرة, توضح في كتاب فينديداد في الافيستاAvestan Vendidad (الكتب المقدسة الزرادشتية) بشكل واسع ومقارب لما جاء في شريعة اللاويين.....أيام الخليقة الستة في سفر التكوين تجد لها نظيرا في فترات الخلق الستة الموصوفة في الأسفار الزرادشتية. طبقا لكلا الديانتين ينحدر الجنس البشري من زوج واحد ويكون ماشيا (الرجل) وماشياناMashya and Mashyana الشخصيتين الايرانيتين المقابلتان لآدم وحواء. في الكتاب المقدس, يدمر طوفان كل البشرية ماعدا شخص بار واحد مع عائلته, بينما يقضي شتاء على سكان الأرض ماعدا هؤلاء القاطنين في فاراvara (حمى) ييما Yimaالمبارك. وفي كلتا الحالتين تعمر الأرض ثانية بأفضل زوجين من كل نوع من المخلوقات, وبعد ذلك تقسم الى ثلاث ممالك. أبناء خليفة ييما , وهو ثرايتاوناThraetaona , الثلاثة ايريا Airya , سايريما Sairima و تورا Tura (ايرياه جد الأيرانيين وتورا هو جد الاتراك والبدو شمال ايران و سايريما هو جد القاطنين الى الغرب من ايران. المترجم) هم ورثة الأرض في المصدر الفارسي كما أن سام وحام ويافث هم ورثة الأرض في القصة الساميّة. تأثرت اليهودية أيضا بصورة شديدة بالزرادشتية في ما يتعلق نظرتها إلى عالم الملائكة وعالم الجن, وربما كذلك في ما يتعلق عقيدة قيامة الأموات"135.

ربما كان غولدزيهر أول متخصص معروف بالدراسات الإسلامية يأخذ بجدية فكرة التأثير المباشر للزرادشتية على الإسلام, ففي مقالته, يعتمد كثيرا على هذا الطرح136.

يؤشر الانتصار الإسلامي على الجيش الفارسي الساساني في معركة القادسية عام 636 ب.م بدايةالاحتكاك بين الشعبين. وكان لهذا الاحتكاك ثقافة أرقى تأثيرا كبيرا على العرب والإسلام. وكان مقدرا للفرس المؤمنين حديثا أن يجلبوا للإسلام حسا جديدا بالحياة الدينية.

عندما أطيح بالسلالة الأموية, أوجد العباسيون دولة دينية تحت تأثير الأفكار الدينية-السياسية الفارسية, وفعلا كانت ثورة أبي مسلم الخراساني والتي أتت بالعباسيين إلى السلطة في الأصل حركة فارسية. و قد قدّر للعباسيين أن يتبنوا العديد من التقاليد الساسانية, فقد اخذوا لقب ملك بلاد فارس وذلك لمعرفتهم بالعلاقة بين مؤسسة الخلافة ومفهوم الملك (بضم الميم) الفارسي. كانت مملكتهم دولة دينية مؤسساتية وكانوا هم رؤوسها الدينيين, ومثل الساسانيين اعتبروا أنفسهم أشخاصا مقدسين. كان هنالك علاقة حميمة بين الحكومة والدين ليس بشكل علاقة متبادلة بل التحاما تاما بينهما. كانت الحكومة والدين شيئا واحدا, لذلك كان الدين حكومة للشعب.

إن مفهوم نيل الحسنات من خلال قراءة الأجزاء المختلفة من القران هو صدى للمعتقد الفارسي في نيل البر بقراءة الفينديدا الافيستي . وفي كلا المعتقدين تحرر قراءة الكتاب المقدس الإنسان من الإثم الذي يكتسبه في الدنيا, فهو ضروري حتى لخلاص الروح. المسلمون والزرادشتيون كلهم يقرءون كتابهم المقدس بعد موت فرد من أفراد أسرتهم بعدة أيام. وكلا المجتمعان يعارضان إبداء مظاهر الحزن والجزع بسبب حالة الوفاة.

استعيرت العقيدة الإسلامية عن الميزان وهو أداة الوزن الذي ستوزن عليه أعمال الإنسان, من الفرس (سورة الأنبياء: 47), وتحت تأثير الاعتقاد بالميزان, يحسب المسلمون قيمة الأعمال الحسنة والسيئة بوحدات الوزن. على سبيل المثال, يروى أن النبي قال يوما:" من صلى على جنازة فله قيراط فإن شهد دفنها فله قيراطان القيراط مثل أحد.."( رواه البخاري وأحمد, والرواية للبخاري. المترجم). الصلاة في جماعة لها قيمة خمس وعشرين مرة قدر الصلاة مفردا.

طبقا للمعلقين المسلمين, سيحمل الملاك جبريل في يوم الحساب الميزان الذي توزن عليه الأعمال الحسنة والسيئة, وسيكون احد طرفي الميزان معلقا فوق الجنة والآخر فوق النار. وبصورة مشابهة, في الديانة الزرادشتية, وفي يوم الحساب, سيقف ملاكان على الجسر بين النعيم والهاوية , فاحصيَن كل شخص بينما هو يمر . احد الملاكين , والذي يمثل الغفران الإلهي, سيحمل الميزان في يده ليقيس أعمال البشر , فان ثقلت كفة الأعمال الحسنة سيسمح للأشخاص بالدخول إلى النعيم, وبخلافه سيرمي الملاك الثاني والذي يمثل عدالة الله بالأشخاص إلى الهاوية. عناصر أخرى في الأفكار الإسلامية عن الميزان تأتي من الفرق المسيحية الهرطوقية (الفرق المسيحية التي تؤمن بعقائد مخالفة للعقيدة الكنيسة المحمية من قبل السلطة آو الكنيسة الملكية. المترجم) وهي جزء من حديثنا المقبل.

التشريع الإسلامي لوجود خمس صلوات في اليوم له مصدر فارسي أيضا. شرع محمد نفسه في البداية صلاتين فقط. ثم, كما يذكر القران أضيفت ثالثة, مكونة صلاة الفجر, صلاة العشاء والصلاة الوسطى, والتي تقابل الصلوات اليهودية الشاخاريث والمنكاه والاربيث. ولكنه عند اصطدامهم بالحماس الديني للزرادشتيين, تبنى المسلمون تقاليدهم غير راغبين أن يزايد عليهم في الإخلاص, ومن ثمة استمر المسلمون بالتعبد إلى الله خمس مرات في اليوم, تقليدا للكابات الخمسة five gabs (الصلوات الخمسة ) للفرس(ربما كان في هذا إشارة إلى أن إصرار الشيعة على الصلاة ثلاث مرات في اليوم مع اعترافهم بوجود خمس صلوات والترخيص بذلك في الضرورة عند بعض أهل السنة سببه أن الصلوات كانت ثلاثا فقط في عصر محمد. المترجم) .

فوق وعلى تأثير الأفكار الفارسية من خلال اليهودية والمسيحية, كيف تمكنت الأفكار الفارسية من الدخول إلى الجزيرة العربية في عصر ما قبل الإسلام.؟ احتك تجار مكة بصورة مستمرة بالثقافة الفارسية. كما انه من المعروف أن عدة شعراء عرب قد سافروا إلى مملكة الحيرة العربية على الفرات, والتي بقيت لفترة طويلة تحت تأثير فارسي وكما يقول جيفريJeffery:" كانت المركز الأول لتغلغل الثقافة الفارسية بين العرب."137 كتب شعراء كالأعشى قصائد مليئة بالكلمات الفارسية. يظهر عدد ضخم من الكلمات الفارسية من اللغة الفارسية الافستية (لغة الكتب المقدسة الزرادشتية) والفارسية الوسطى (الفهلوية) وتعابير أخرى في العربية . بل أن هنالك دليل على أن بعض العرب الوثنيين قد تحولوا إلى الزرادشتية. الأثر الفارسي محسوس أيضا في جنوب الجزيرة العربية, حيث مارس المسئولون الفرس الحكم باسم الساسانيين. وفوق كل ذلك لدينا شهادة القرآن نفسه, والذي يشير إلى الزرادشتيين كمجوس ويضعهم في نقس خانة اليهود والصابئين والمسيحيين باعتبارهم مؤمنين بالله. (سورة الحج: 17) . يخبرنا ابن هشام مؤلف سيرة النبي عن وجود شخص يسمى النضر بن الحارث والذي كان معتادا على رواية قصص رستم العظيم وقصص إسفنديار (شخصيات أسطورية فارسية) وملوك فارس للمكيين, وكان يتفاخر دائما بان قصص محمد ليست أفضل من قصصه. وكما يقول توري:" رأى النبي مستمعيه ينصرفون عنه, وتركه ذلك راغبا في الثار الذي ناله في معركة بدر . وذلك أن الخصم المسلّي جدا دفع حياته ثمنا للقصص بعد أن أخذ أسيرا في المعركة "138. وقد تعلمنا من ابن هشام أيضا انه من بين صحابة محمد كان هنالك شخص فارسي يسمى سلمان, والذي من الممكن أن يكون قد علم محمدا شيئا من ديانة إسلافه.

من الممكن أن يكون محمد قد تأثر بالزرادشتية في موقفه من السبت ومعارضته للفكرة غير المعقولة في أن الله احتاج أن يأخذ قسطا من الراحة بعد خلق العالم في ستة أيام. يأخذ اللاهوتيون الزرادشتيون موقفا مشابها ضد السبت اليهودي. وبالنسبة لمحمد وكل لمسلمين, الجمعة ليست يوم سبت أو يوما للراحة, ولكنه يوم للاجتماع لممارسة شعيرة أسبوعية. وطبقا للتقاليد, عرج محمد إلى السماوات حيث قابل الملاك جبريل وموسى وإبراهيم والآخرين. على ظهر دابة تسمى البراق, وهو دابة بيضاء بجناحين بحجم يتراوح بين حجم الحمار وحجم البغل. يقال أن البراق يماثل الثور المجنح الأشوري. ولكن بلوخيتBlochet قد اظهر أن المفهوم الإسلامي (عن البراق) يدين بكل شيء للأفكار الفارسية. تفاصيل المعراج الفعلي إلى السماء قد اقتبست من الأدب الزرادشتي. القصة الإسلامية تقول التالي: (محمد متحدثا)139

"... أتيت بدابة أبيض دون البغل وفوق الحمار البراق فانطلقت مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد أرسل أليه قال نعم قيل مرحبا به ولنعم المجيء جاء فأتيت على آدم فسلّمت عليه فقال مرحبا بك من ابن ونبيّ فأتينا السماء الثانية ...فأتيت على عيسى ويحيى ...فأتينا السماء الثالثة ..... فأتيت على يوسف .... فأتينا السماء الرابعة ..... فأتيت إدريس .... فأتينا السماء الخامسة .... فأتينا على هارون ... فأتينا السماء السادسة ... فأتيت على موسى ... فلمّا جاوزت بكى قيل ما أبكاك قال يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتي فأتينا السماء السابعة فأتيت على إبراهيم فسلّمت عليه .... ورفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كأنه قلال هجر وورقها كأنه آذان الفيول في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت جبريل فقال أمّا الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران النيل والفرات...", ( رواه البخاري. المترجم)

الصعود إلى السماء أو المعراج بالعربية , يمكن أن يقارن بالقصة الواردة في نص فهلوي يسمى أرتا فيراف(أو أرتاي) Arta (or Artay) Viraf والمكتوب قبل الإسلام بمئات السنين140 . شعر الكهنة الزرادشتيون أن إيمانهم بدأ بالزوال فأرسلوا ارتا فيراف إلى السماء ليتعرف على ما يجري هناك. صعد ارتا من سماء إلى أخرى وفي النهاية عاد إلى الأرض ليخبر شعبه عما رآه.

" كان أول تقدمنا صعودا نحو السماء الدنيا,.... وهناك رأينا ملاك المقدّسين يطلق نورا حارقا, ساطعا و شديدا. وسألت ساروش المقدس و أزار الملاك:" ما هذا المكان, من هؤلاء؟"( تخبرنا القصة لا حقا أن ارتا بصورة مشابهة صعد إلى السماء الثانية فالثالثة)...." مشرقا من على عرش مغشّى بالذهب قادني كبير الملائكة بَهمَن , حتى قابلت أهورا مزدا (أله الخير. المترجم) مع جماعة من الملائكة والقادة السماويين, الكل مزينون ببهاء شديد حتى إنني لم أرى مثل ذلك سابقا. قال قائدي: هذا هو اهورا مزدا. رغبت بالسلام عليه, فقال انه مسرور بالترحيب بي كقادم من العالم الفاني إلى هذا المكان المضيء والنقي...وأخيرا, يقول ارتا, أخذني قائدي وملاك النار, بعد أن أرياني الجنة , إلى النار, ومن ذلك المكان المظلم والمرعب, حملاني الى الأعلى إلى بقعة جميلة حيث يوجد اهورا مزدا والمجتمعون به من الملائكة. رغبت بتحيته, وبعد ذلك قال بلطف : يا أرتا فيراف,أذهب إلى العالم المادي, لقد رأيت وعرفت اهورا مزدا’ فإنني انأ هو, ومن كان صادقا وصالحا فانا أعرفه."


نجد في التقليد الإسلامي أيضا فكرة الصراط أو الطريق, أحيانا يعنى بها الطريقة الصحيحة في الدين, ولكن غالبا ما يشير هذا المصطلح إلى الجسر المار من فوق الهاوية النارية . يوصف الجسر بأنه " أدق من الشعرة وأحد من السيف"(من حديث لمسلم. المترجم) وهو محاط من كل جانب بالأشواك المعقوفة (في الاحاديث: كلاليب مثل شوك السعدان.المترجم) سيعبر عليه الصالحون بسرعة البرق , ولكن الأشرار سرعان ما يتعثرون ويسقطون في نيران الهاوية.

من الواضح ان هذه الفكرة قد استعيرت من المنظومة الزرادشتية. بعد الموت, يجب على نفس الميت أن تعبر فوق جسر المجازي (بالضم). تشنوات بيريتوChinvat Peretu وهو حاد كالموس بالنسبة للأشرار لذلك مستحيل عبورهم عليه .

تتقاسم الأديان الإيرانية والهندية موروثا مشتركا. , وذلك لان أسلاف الهنود وأسلاف الإيرانيين كانوا يشكلون يوما ما شعبا واحدا الهندوأيرانيين Indo- Iranians والذين بدورهم كانوا فرعا من مجموعة اكبر من الشعوب ,الهندوروبيين Indo-Europeans . لهذا ليس من المستغرب أن نجد فكرة وجود جسر (تشينوات بيريتو) في النصوص الهندوسية القديمة( على سبيل المثال ياجور فيدا (Yajur Veda . النظرة الاسلامية الى الفردوس تشابه لهذا السبب ما هو مذكور في المصادر الهندية والفارسية . يصف النص الزرادشتي , هادوخت ناسك Hadhoxt Nask, مصير النفس بعد الموت. تقضي نفس الإنسان الصالح ثلاث ليالي قرب الجثة, وفي نهاية الليلة الثالثة, , تشاهد النفس دينها "داينا" (daena ) (اسم الدين بالفارسية) في صورة فتاة جميلة , عذراء حلوة في عمر الخامسة عشرة, قد نشأت جميلة بفضل أعماله الحسنة. هذه النظرة تشابه القصص الهندوسية عن أبساراساس Apsarasas , موصوفة ك" حورية سماوية مغرية تسكن في فردوس أندرا (أله هندوسي قديم. المترجم) "141. وعادة ما يكن راقصات للآلهة, ولكنهن يرحبن بالأرواح الدخلة إلى الفردوس." هن الجوائز في فردوس أندرا للأبطال الذين يسقطون في المعركة"142.

لهذا تشابه الحكاية الهندوسية النظرة الإسلامية عن الجنة في أوجه عديدة, بمشاهدها الواضحة والشهوانية عن حور و أبكار تلك المشاهد التي روعت المعلقين المسيحيين المبكرين. هؤلاء الجواري يقدمن في الجنة أيضا لمقاتلي المسلمين الذين يموتون من اجل قضايا أسلامية . بعض الكلمات المستخدمة في القرآن في وصف الجنة هي ذات أصول فارسية واضحة : أبريق, أرائك. أليك ما يقوله جيفري عن الموضوع :" انه لمن الواضح كما يبدو أن كلمة " حور" بمفهومها كإشارة إلى البشرة الفاتحة واستخدامها لوصف فتيات فاتحات البشرة, أدخلت في استخدام عرب الشمال كاستعارة من المجتمعات المسيحية, ومن ثم استخدمها محمد تحت تأثير كلمة إيرانية في وصف جواري الجنة"143.

يصف نص فهلوي (اللغة الفارسية في إيران قبل دخول الإسلام) الفردوس بأنها في كل مكان تشبه بستانا في الربيع, فيه كل أنواع الأزهار والأشجار. وهذا يذكرنا بشدة بالنظرة الإسلامية إلى جنة النعيم (سورة الواقعة: 12-39, الإنسان: 12-22, يونس: 10, الرحمن: 50) " وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ... ذَوَاتَا أَفْنَانٍ..... فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ..... فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ"

هنالك تشابهات مدهشة بين المفهوم الزرادشتي عن رجل الدين البدائي الطراز archetypal و المفهوم الإسلامي الصوفي خصوصا عن الإنسان الكامل. كلا العقيدتين تتطلبان وجود نية للعبادة لكي ما تكون العبادة مقبولة. كلاهما تضفيان أهمية خرافية على بعض الأرقام : على سبيل المثال الرقم 33 يلعب دورا مهما في الطقوس الزرادشتية, و في الإسلام يحمل تسبيح الإنسان إلى السماء ثلاث وثلاثون ملاكا, كلما يشار إلى ابتهال مقدس نجد ذكر ثلاث وثلاثين تسبيحا و ثلاث وثلاثين تحميدا و ثلاث وثلاثين تكبيرا وهكذا.


الجن, العفاريت و الكائنات الخفية الأخرى

بالنظر إلى العناصر الخرافية الكبيرة في الإسلام والتي ذكرت للتو , فمن حقنا أن نتساءل كيف أمكن لفلاسفة القرن الثامن عشر التوصل إلى اعتبار الإسلام " دينا منطقيا". فلو أنهم غاصوا أعمق في بحر الأفكار الإسلامية عن الجن والعفاريت والأرواح الشريرة لكانوا أكثر حرجا من سذاجتهم هم.

يقال أن الإيمان بوجود الملائكة والعفاريت قد اقتبس من الفرس.( الكلمة الإسلامية عفريت هي ذات مصدر فهلوي ) , فان كانت الحالة كذلك " فإنها مقتبسة منذ زمن بعيد من قبل العرب الوثنيين. عصر ما قبل الإسلام يحتوي على إشارة غير واضحة إلى وجود طبقة من الكائنات الخفية" موجودة في كل مكان ولكن لا يشعر بها في أي مكان" الجن. كلمة جن ربما تعني مخبأ أو ظلام . الجن هو تجسيد لما هو " غير معتاد في الطبيعة, أو ربما الجوانب العدوانية وغير المسيطر عليها من الطبيعة" . في بلاد العرب الوثنية , كانوا يعتبرون مصدرا للخوف, ومع قدوم الإسلام فقط بدؤوا بالظهور, أحيانا, ككائنات خيّرة أيضا"

كان الجن بالنسبة للعرب الوثنيين غير مرئيين ولكن كان بإمكانهم اتخاذ أشكال متعددة, مثل الأفاعي والسحالي والعقارب. أذا دخل جني جسد إنسان, فسيؤدي به لأن يكون معتوها أو مستحوذا. حافظ محمد الناشيء في أجواء الخرافة الساذجة على الإيمان بالأرواح:" في الحقيقة ذهب النبي بعيدا ليعترف بوجود الآلهة الوثنية , مصنفا إياها بين الشياطين(سورة الصافات:158 ). لهذا لم تبقى هذه الخرافات ثابتة في الجزيرة العربية المسلمة ولكنها تطورت أكثر, وانتشرت في أرجاء العالم الإسلامي الباقية, وعادة ما ارتبطت بمفاهيم مشابهة وأحيانا أكثر تعقيدا منتشرة بين الشعوب الأعجمية."

يعيد البروفيسور ماك دونالد Macdonald قص كيف أن حسان بن ثابت الشاعر والصديق المقرب من الرسول, بدأ بكتابة الشعر تحت تأثير جنية.

"قابلته في احد شوارع المدينة المنورة فقفزت عليه و ضغطته على الأرض وأجبرته أن ينطق بثلاثة أبيات من الشعر. وبعد ذلك أصبح شاعرا وكان شعره يصدر تحت تأثير مباشر من وحي الجن. أحال (الشاعر) نفسه إلى إخوته من الجن والذين يحيكون له كلمات فنية واخبر الناس كيف أن اسطرا موزونة من الشعر قد أنزلت عليه من الجنة. الشيء الكثير للاهتمام هو أن التعابير الذي استخدمها هي نفس تعابير التنزيل, والذي هو الوحي بالقرآن."144


يشير ماكدونالد إلى مناظرات عجيبة بين المصطلحات المستخدمة في قصة حسان بن ثابت و قصة الوحي الأول إلى محمد :

" كما أن حساناً رمي أرضا من قبل روح أنثوية وأجبر على النطق بأبيات من الشعر. كذلك كان النطق بأول كلمات النبوة مستخرجة غصبا من فم محمد من قبل الملاك جبريل. كما يذهب التشابه لمدى ابعد فالملاك جبريل يوصف بأنه رفيق محمد كما لو كان الجني المرافق للشاعر, كما أن نفس الكلمة , نفث, تستخدم لوصف عمل ساحر أو جني يلهم شاعرا أو جبريل ينزل الوحي على محمد."
إيمان محمد الداخلي بالجن نجده في القرآن’ والذي يحتوي ايحائات وإشارات عديدة إليهم: سورة 72 المسماة بصورة الجن, وسورة الأنعام: 100 حيث يوَّبَخ(بفتح الباء) المكيّون لجعل الجنة رفاقا لله , و الأنعام: 128, حيث يقال أن المكيين قد قدموا قرابين لهم, و الصافّات: 158, حيث يؤكد المكيون على وجد نسب بينهم وبين الله, و الرحمن: 15, حيث يقال أن الله خلقهم من نار بلا دخان. هنالك الكثير من الأدبيات حول المعتقدات المحيطة بالجن. ولأغراضنا الخاصة, من الكافي أن ندرك أن هذه الخرافة قد أقرت في القرآن , وان الجن معترف بهم رسميا في القرآن, وكما يقول ماك دونالد, فأن النتائج الكاملة لوجودهم قد حسبت." وضعهم الشرعي قد نوقش وثبّت على كل المعايير, كما فحصت العلاقة الممكنة بينهم وبين الجنس البشري , خصوصا فيما يتعلق بمسائل الزواج و التملّك"145. ربما كان ابن سينا أول فيلسوف مسلم يرفض وبصراحة كل احتمالية لوجودهم.

يعترف القرآن بخرافة شائعة أخرى في كل أنحاء العالم الإسلامي, الإصابة بالعين ( أو الحسد), والتي كثيرا ما تعتبر سببا لسوء الحظ (سورة الفلق). ويقال أن محمدا نفسه قد آمن بتأثيرها المؤذي, يروى أن أسماء بنت عميس قالت :" يا رسول الله إن ولد جعفر تسرع إليهم العين أفأسترقي لهم؟"فقال:" نعم, فانه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين". (رواه الترمذي وابن ماجة والرواية للترمذي. المترجم)


الدَين الذي يحمله الإسلام لليهودية

"الإسلام هو ليس أكثر من يهودية زائدا نبوة محمد"146. - أس.أم. زويمر

توجد لدينا شهادة المؤرخين المسلمين أنفسهم على أن اليهود لعبوا دورا مهما في الحياة الاجتماعية والتجارية للمدينة. فنحن نعلم بوجود قبائل بني قينقاع وبني قريضة وبني النضير, والذين كانوا أغنياء كفاية ليمتلكوا الأراضي و المزارع. كان هنالك أيضا العديد من الحرفيين والمهنيين والتجار المهرة يعملون في المدينة. كان لليهود مجتمعات لا بأس بحجمها في مدن أخرى في شمال الجزيرة العربية كخيبر وتيماء و فدك. يبدو أن توري يعتقد انه كان هنالك يهود في تيماء بصورة مبكرة قد تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد. وبالتأكيد, ومع بدء العصر المسيحي, كان هنالك مستوطنات يهودية في تلك المنطقة, هجرات أخرى تبعت ذلك بعد تدمير أورشليم في سنة سبعين للميلاد. لدينا الدليل على وجود مجتمعات يهودية أسسها التجار في جنوب الجزيرة العربية . وقد مارسوا أيضا تأثيرا مهما, كما يؤكد ذلك وجود أفكار دينية يهودية في النقوش الدينية لجنوب الجزيرة العربية, كمايو جد تقليد شهير يذكر أن الملك الحميري ذو نؤاس قد تحول إلى اليهودية.


" من الثابت أن الانطباع المتكون لدى قارئ القران لأول مرة هو أن محمد قد استلم مادة إيمانه وشعائره بصورة رئيسية من يهود الحجاز. ففي كل صفحة تقريبا نلاقي إما حلقة من حلقات التاريخ العبراني أو القصص الأسطورية اليهودية الأخرى أو تفاصيل لقوانين أو ممارسات ربينية (حاخامية) أو نقاشات للإثبات القطعي بان الإسلام هو دين إبراهيم وموسى"- توري, الصفحة 2

يتفق بعض الباحثين مثل نولدكة و ويلهاوسن مع التقليد الإسلامي القائل بان محمدا كان أميا. بينما نجد أن توري و سبرنجر Sprenger مقتنعين بأنه كان قارئا وكاتبا. ومن غير المحتمل, إذا أخذنا بالاعتبار خلفية محمد الاجتماعية, انه لم يتسلم أي قدر من التعليم, فقد جاء من عائلة محترمة, و من الصعب أن يفكر المرء أن أرملة ثرية من الممكن أن تطلب منه أن يعتني بأعمالها التجارية أن لم يكن بإمكانه القراءة ولا الكتابة. إلا أن محمدا لم يرغب بان ينظر إليه كرجل تعلم من الكتب, لان ذلك يضعف من تأكيده على أن الوحي الذي يأتيه قد قدم مباشرة من السماء ومن الله.


أين وكيف حصّل النبي معارفه عن التاريخ والشريعة والتراث اليهودي؟ توجد فقرتان مهمتان في القران تدل على إمكانية وجود معلم يهودي, ربما حاخام. في سورة الفرقان: 4 و 7. يتهمه الكفار بأنه يستمع إلى القصص القديمة مروية من قبل شخص آخر. لم ينفي محمد وجود معلم بشري , ولكنه يصر على أن وحيه الهي. في سورة النحل: 103. يخبره ملاك الوحي "َولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ". . وقد حاول توري تبيان أن هذا الملقّن كان يهوديا بابليا من جنوب بلاد ما بين النهرين.

بالإضافة إلى تعلمه من أشخاص محددين, فمن زياراته إلى أحياء اليهود تعلم محمد من الملاحظة المباشرة الشعائر والطقوس اليهودية. وعلى أي حال, فقد تلقّى العرب الذين احتكوا بالمجتمعات اليهودية معرفة مسبق عن عادات اليهود وقصصهم وأساطيرهم وممارساتهم, والكثير من هذه المواد بالإمكان إيجادها في الشعر الجاهلي.

من الثابت من قراءة السور المبكرة النزول أن محمدا كان شديد التأثر باليهود ودينهم. و حاول بشدة أن يرضيهم من خلال تبني ممارساتهم (اختيار بيت المقدس قبلة للصلاة وعلى سبيل المثال) و حاول تن يقنعهم انه كان يقوم بعمل مكمل لتقاليد الأنبياء القدامى.

بالاعتماد على كتاب جيجرGeiger اليهودية والإسلام, قسم زويمر بصور مرضية التأثيرات اليهودية على الإسلام بالشكل الآتي:
أ‌- الأفكار والمعتقدات
1-الكلمات العبرية الحاخامية (الدينية) في القران
2- النظرة العقائدية
3-الشرائع الأخلاقية و الطقسية
4- النظرة إلى الحياة
ب- القصص والأساطير
1- الكلمات العبرية الحاخامية في القران. يذكر جيجر أربعة عشر كلمة من العبرية تمثل أفكارا يهودية لا وجود لها بين العرب الوثنيين

أ‌- التابوت: النهاية (- وت) تبين أصلا عبرانيا للكلمة وذلك لأنه لا توجد كلمة عربية صرفة تنتهي بهذا الشكل.
ب‌- التوراة: الوحي إلى اليهود
ت‌- جنات عدن
ث‌- جهنم (Gehinnom): (كلمة مشتقة من وادي هنوم( في أورشليم. المترجم) تفشت فيه عبادة الأصنام. لذلك جاءت الكلمة لاحقا لتعني الجحيم)
ج‌- أحبار: معلمون
ح‌- درس(بالفتح): فعل بمعنى أن تصل إلى المعنى العميق للنص الديني بواسطة البحث الدقيق والمعتنى به.
خ‌- ربّاني: معلم
د‌- سبت: يوم راحة (شباث)
ذ‌- فرقان: تخليص و غفران
ر‌- ماعون: ملجأ
ز‌- مثاني: أعادة
س‌- ملكوت : حكومة , حكم الله
من الواضح أن محمدا كان غير قادر على التعبير عن بعض المفاهيم بلغة العربية الام. وذلك لان القرآن يحتوي العديد العديد من الكلمات الآرامية والسريانية مما يؤكد وجود استعارات بشكل واسع لكلمات ومفاهيم معينة , مثل سوط و مدينة و مسجد (مكان عبادة) و سلطان و سلّم و نبي.

وجهات نظر عقائدية رئيسية في الإسلام قد استعيرت أيضا من اليهودية والتالي من بينها هو الأهم:
وحدانية الله

وحدانية الله, كما لاحظنا مسبقا, ليست شيئا جديدا في العربية الوثنية, ومع ذلك, فان التوحيد الذي لا تنازلات فيه لليهودية كان الشيء الذي اثر على محمد بشكل عميق وأدى به إلى أن يبشّر بوحدانية صارمة أيضا.

الوحي المكتوب

كانت الفكرة القائلة أن الله قاد وساعد البشرية من خلال وحي مكتوب من قبل أشخاص ملهمين ذات أهمية بتأثيرها على تطور الرسالة لمحمدية. فقد حركته الطريقة التي بين فيها اليهود المتعلمون معرفتهم العميقة بأسفارهم المقدسة بشدة." يعرفون الكتاب كما يعرفون أبنائهم"(سورة البقرة: 146, الأنعام: 20). وقد صمم أيضا على امتلاك كتاب عربي يمكن من خلاله لأتباعه أن يتعلموا فيه بنفس الروح والطريقة. لاحقا, ذكر أن القران نفسه هو نسخة, أصلها مكتوب في لوح محفوظ في السماء (البروج: 22). هذه الفكرة هي صدى لما هو مكتوب في فرقي أبوث (كتاب ديني يهودي المترجم) السطر السادس, والذي يتحدث أيضا عن ألواح سماوية للشريعة.
الخلق

قصة محمد عن الخلق هي مؤسسة بشكل واضح على ما هو مكتوب في سفر الخروج 20.11:" َلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ".وفي أمكنة أخرى يتحدث القران عن كون الأرض قد خلقت في يومين (فصّلت: 9-11)

سبع سماوات , سبع أرضين

عادة ما يشير القرآن إلى وجود سبع سماوات (الإسراء: 44, المؤمنون: 86, الطلاق: 12, فصلت: 12) وهي فكرة موجودة في حجيجا 9: 2 (Chegiga) (كتاب ديني يهودي). يذكر القرآن أن للجحيم سبع أقسام أو بوابات (الحجر: 44) , نجد في كتاب زوهر (كتاب صوفي يهودي) نفس الوصف. هذه الأفكار تعود إلى مصادر هندية-إيرانية قديمةلأنه في كلا نصوص الديانتين الهندوسية والزرادشتية نجد الخلائق السبعة والسماوات السبعة. في سورة هود: 7, نجد خبرا يقول أن عرش الله كان على الماء, قارن هذا مع تعليق (الحاخام) اليهودي راشي على سفر التكوين1: 2 :-" العرش المجيد وقف في السماوات وتحرك على وجه المياه." في سورة الزخرف: 77, نجد إشارة إلى مالك باعتباره خازن النار المشرف على تعذيب المبعدين من رحمة الله, بصورة مشابهة يتحدث اليهود عن أمير الجحيم. و يبدو أن مالك هو تحريف لاسم اله النار العمّوني (شعب قديم عاش في ما هو الآن الأردن/ عمّان. المترجم) مولك, المذكور في سفر الأحبار, وسفر الملوك الأول, وسفر إرميا.

في سورة الأعراف: 46 هنالك ذكر لجدار فصل يسمى الأعراف والذي يفصل بين الجنة والنار:"و َعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ " في المدراش( واحد من التفاسير اليهودية للكتاب المقدس اليهودي) اليهودي على سفر الجامعة (من أسفار الكتاب المقدس اليهودي)الإصحاح 7, العدد 14 نجد التالي:" كم هنالك من المسافة بينهما؟ يقول الحاخام يوحنان أن هنالك جدارا, الحاخام آحا يقول مسافة بينما يقول معلموهما أنهما قريبان جدا من بعضهما بحيث أن الناس تستطيع أن ترى من احد المكانين إلى الآخر" . وثانية تنجد فقرات مشابهة في الكتابات الزرادشتية:" المسافة هي فقط تلك التي تفصل بين الضياء والعتمة"

تخبرنا فقرات محددة من القرآن (سور الحجر: 17-18, الصافات: 7-8, و الملك: 5)) أن الشيطان يسترق السمع فيرجم بالشهب, وبصورة مشابهة نجد في الكتابات اليهودية أن الجنياي Genii " يستمعون من وراء الستار"" ليحصلوا على معرفة بالأمور المستقبلية".

في سورة ق:30: " يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ " في الكتاب الحاخامي أوثيوث ديرابّي أكيبا (Othioth Derabbi Akiba) 8.1, نجد" سوف يقول أمير الجحيم يوما بعد يوم , أعطوني الطعام لكيما أشبع" .

في سورة هود 40, المؤمنون: 27, يذكر عن الطوفان أنه:" وفار التنّور" . في احد الأعمال اليهودية نخبر أن شعب الطوفان عوقبوا بالماء المغلي. عند الحديث عن صعوبة الحصول على الفردوس, يتحدث الربينيون عن دخول الفيل في عين الإبرة بينما يذكر القران دخول الجمل في عين الإبرة.

طبقا للتلمود, ستشهد أضلع الإنسان بأنفسهم ضده (حجيجا 16, تانّيث 11). يقول احد المواضع " أعضاء الإنسان بعينها سوف تشهد ضدّه, فقد قيل(في التوراة) 'أنت شاهدي يقول الرب' " . قارن هذا بسورة النور: 24:- " يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ". أنظر أيضا يس: 65 و فصّلت: 20.

قارن سورة الحج: 47:- " وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ " مع سفر المزامير90: 4: " فإن ألف سنة في عينيك كيوم أمس العابر". قارن سورة السجدة: 5 مع مشناه سنهدرين 96: 2.
جبل قاف

يقول التقليد أن عبد الله بن سلام استفهم يوما من محمد قائلاً: ما هي أعلى قمة في الأرض؟ فقال هي جبل قاف! فقال فما هو؟ فقال من زمرد أخضر "هذه القصة هي نسخة مغربلة وغير مفهومة (من قبل محمد) لنص في كتاب هاجيجا (كتاب ديني يهودي) حيث نجد التعليق التالي على ورود كلمة ثوهو "thohu" في سفر التكوين 1: 2:-" ثوهو هو خط أخضر (قاف أو قاط) والذي يحيط بكل العالم, و لهذا يكون الظلام".
القوانين الأخلاقية والشرعية

هنالك بعض المواعظ الأخلاقية التي استعارها محمد من التلمود.

على الأولاد أن لا يطيعوا آبائهم عندما يكون أمر الأخيرين شريرا-يبحاموث6. قارن سورة العنكبوت: 8.

في ما يخص الأكل والشرب خلال صوم رمضان تخبرنا سورة البقرة, 187:" وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ ". في مدراش براخوث (تفسير يهودي) نتعلم أن صلاة "شماع" (نص توراتي, " اسمع يا اسرائيل الرب الهك له واحد..الخ" . المترجم) يجب أن تقام " في الصباح عندما يمكن للمرء أن يميّز خيطا أزرق من خيط أبيض" ( كان المسلمون يميزون الفجر باستخدام خيط ابيض وآخر اسود أيضا إلى أن "أنزلت" الكلمتان "من الفجر"...وذلك حسب الرواية الإسلامية. المترجم).

تخبرنا السورة 4.46 انه لا يجب على المؤمنين أن يصلّوا وهم سكارى أو جنب أو إن كانوا قد لامسوا النساء. كل هذه الموانع نجدها في بيراخوث31: 2 و111: 4 (Berachoth) و أيروبين 64 Erubin)) .

من الممكن ان تقام الصلاة وقوفا, مشيا أو حتى خلال امتطاء الدواب –بيروخوث 10. قارن السور:- البقرة: 239, آل عمران: 191, النساء: 101.

من الممكن تقصير الصلوات في الحالات الطارئة, من غير ارتكاب خطيئة – مدراش بيراخوث 4.4 , قارن سورة النساء: 102.

شعائر الوضوء الموصوفة في السورة المائدة: 6, من الممكن مقارنتها بالشعائر المتطلب القيام بها في بيراخوث 46.

طبقا لسورة النساء: 43 و المائدة: 6, فعند نقص الماء, من الممكن التيمم بالتراب. يخبرنا التلمود أنه" من ينظف نفسه بالتراب فقد جاء بما فيه الكفاية"(بيروخوث 46).

لا يجب أن تكون الصلاة بصوت عال, الإسراء: 110, بيروخوث 31.2 يشير إلى نفس الشيء.

يشرع القرآن (سورة البقرة: 228) فترة انتظار لمدة ثلاثة أشهر قبل ان يمكن للمرأة من الزواج ثانية. مشنا يبحاموث 4: 10 Mishna Jabhamoth) ) أيضا يضع نفس التشريع.

درجة القرابة التي يمكن ضمنها أن يبقى الزواج شرعيا قد تبناها القران (سورة النساء: 23) كما يبدو من تلمود كيثوبوث 40: 1 ((Talmud Kethuboth .

كلا الديانتين تصر على أن على المرأة أن ترضع ابنها لمدة عامين – قارن سورة لقمان: 14و سورة البقرة: 233 مع كيثوبوث 60: 1.

يجمع توري بعضا من العقائد الأخرى التي اقتبسها محمد من اليهودية .

"قيام الأموات كلهم, طيبين وأشرارا , هي فكرة مألوفة على الأقل منذ دانيال 12: 2
وهي دائما عقيدة مؤثرة بشدة. يوم الحساب, يوم دينا ربّا (rabba ( yom dinaبالعبرية (قارن هذا مع مصطلح يوم الدين القرآني. المترجم), عندما تفتح "الكتب" , ويؤتى بكل امريء إلى حسابه. المكافئة بنعيم سماوي, الجنة, المعاقبة بالجحيم, بنار أبدية في جهنم , هي أفكار أغناها محمد من مخيلته بالطبع. عقيدة وجود الملائكة والأرواح الشريرة, بالتحديد نشاطات إبليس, وبجبريل, ملاك الوحي. من الواضح أن محمدا كان شديد التأثّر بالإصحاح الأول من سفر التكوين, وذلك بالنظر إلى المساحة التي أعطاها القرآن لخلق السماء والأرض والإنسان و كل كائنات الطبيعة147.

القصص والأساطير

كما يقول أيمانويل دوتش Emanuel Deutsch و " يبدوا كما لو انه (محمد) قد تنفس تقريبا هواء اليهودية المعصرة منذ طفولته, تلك اليهودية التي نجدها مصاغة في التلمود (تعليقات وشروح دينية على الكتاب المقدس اليهودي. المترجم) والترجوم (ترجمة لفظية للكتاب المقدس اليهودي. المترجم) والمدراش (تعليقات وشروح دينية على الكتاب المقدس اليهودي تتعلق بالخصوص بالأساطير اليهودية والكثير من ما لم يذكر في التلمود. المترجم)"

هذه الشخصيات الكتابية مذكورة أيضا في القرآن-كذا- (ليس كلها بالاسم كما أن هنالك أسماء أخرى وردت بالاسم . المترجم):

هارون, هابيل, إبراهيم, آدم, قاين (قابيل), داود, أيليا (الياس), أخنوخ(إدريس), عزرا (عزير), جبرائيل (جبريل), جوج (ياجوج), جلياث (جالوت), أسحق, إسماعيل, يعقوب, أيّوب, يونان (يونس) , يشوع (يوشع), يوسف, قورح (قارون), لوط, ماجوج, ميخائيل (ميكال), موسى, نوح, فرعون, شاول(طالوت), سليمان,تارح(آزر).

هذه الحوادث والقصص قد جاءت من العهد القديم (الأسفار المقدسة من الكتاب التي يعترف بها اليهود والمسيحيون كلاهما), ولكن" مع احتياج غريب إلى الدقة و بخلط كبير مع الأساطير التلمودية" كما يقول قاموس الإسلام the Dictionary of Islam .

هارون يصنع عجلا:- طه: 20
قاين (قابيل) وهابيل:- المائدة: 27
الملائكة تزور إبراهيم هود:- 70 والحجر: 51
إبراهيم مستعد للتضحية بابنه:- الصافات: 102
سقوط (هبوط)آدم :- الأعراف: 24 و البقرة: 38
قورح (قارون) وشركاءه:- القصص: 76, العنكبوت: 39, غافر: 24
خلق العالم :- النحل: 3, الرعد: 3, فاطر: 1-12.
تسبيح داوود بحمد الله:- سبأ: 10.
الطوفان:- القمر: 9, الحاقة: 11,هود: 42.
يعقوب يذهب إلى مصر:- يوسف: 100
يونان والسمكة (يونس والنون):- الأنعام: 86, يونس: 98, الصافات: 139, القلم: 48.
تاريخ يوسف:- الأنعام: 84, يوسف, غافر: 34.
المن والسلوى:- الأعراف: 160, طه: 80.
موسى يضرب الحجر:- الأعراف: 160
تابوت( سفينة) نوح:- هود: 40.
فرعون:-البقرة: 49, يونس: 75, الزخرف: 46, غافر: 36.
قضاء سليمان:- الأنبياء: 78.
ملكة سبأ:- النمل: 29

من الواضح أن محمدا تمنى أن يؤسس " ارتباطا واضحا وقويا بالأديان الكتابية السابقة, وخصوصا مع الأسفار اليهودية"148. وبالرغم من كل الأحداث والشخصيات التي اقتبسها محمد من العهد القديم, يتفق معظم المختصّين انه من غير الممكن أن يكون على معرفة وثيقة بمحتواه. وكما يقول أوبيرمان Obermann:

" أي نوع من الترجمة , وليس فقط النص العبراني الأصلي, كان أكيدا لها أن تمنع الاختلافات و التفاصيل غير الدقيقة و الأوهام الواضحة التي يقع فيها دائما عندما يحتوي وحيه على معلومات من العهد القديم, أو على مواد من العهد الجديد. إلا أن الشئ المؤكد انه في حالات عديدة وفي المواضع التي تظهر فيها عناصر كتابية (من الكتاب المقدس) في وحي محمد بصورة مفهومة خطأ أو مشوهة, فأن نفس إساءة التقديم (للمادة الكتابية) يمكن إثبات تكرار وجودها في مصادر من عصر لاحق لعصر الكتاب المقدس وذلك كتزويق للنص بصورة مواد وعظية أو شرحية تمتاز بها أساليب معالجة نصوص الكتاب المقدس في المجامع اليهودية و الكنائس المسيحية ."149

ولكن عند أخذ محمد لعناصر من التلمود والمصادر اليهودية الأخرى فأنه يظهر القليل من الإبداع. وكما يقول توري:

" كل شخصياته متشابهة وهم ينطقون بنفس البديهيات. هو مولع بالمحاورات ذات الطابع الدرامي, ولكنه يمتلك حسّا ضعيفا بالمشهد أو الفعل الدرامي. عادة ما يكون الرابط المنطقي بين الحلقات المتتابعة(من القصة) مفقودا, وأحيانا ضروريا . والنقاط المهمة الضرورية للفهم الواضح للقصة عادة ما تكون مهملة. هنالك أيضا العادة الراسخة (عند محمد) في التكرار مع فقدان خطير لحس الدعابة....تبين السورة هود: 25-48حكاية مطولة لتجربة نوح... هي تحتوي القليل جدا من الأحداث, ولكنها تتكون بصورة أساسية من نفس نوعية الخطب الدينية المتكررة مرارا في القرآن بصورة غير ملهمة و مملة على حد سواء. ونحن نجد لدينا الشعور أن أحد معاصري نوح والذي ووجه بمسألة بقائه لأربعين يوما وأربعين ليلة في الفلك قد يفضل أن يجرب حظه مع الطوفان!"150 (أي أن نوح ممل لدرجة انك لا تريد أن تعاشره كل هذه الفترة. المترجم)

نجد أيضا أن محمدا لديه فكرة ضبابية جدا عن تسلسل التاريخ اليهودي. هو يعرف أن شاول (طالوت) وداود وسليمان كانوا لاحقين للآباء (أي آدم, نوح,إبراهيم ,اسحق ويعقوب. المترجم) , ولكنه لا يعرف تسلسل الأنبياء الآخرين ولا الزمن الذي عاشوا فيه. كان لمحمد فكرة غريبة عن عزرا (عزير) ولم يعرف في أي خانة يضعه.

" ترك إيليا (إلياس) وإليشع (إليسع) و يونان (يونس) وإدريس عائمين (في تسلسل التاريخ), بلا موضع أمين للاستراحة. لم يكن قد سمع أي شيء عن نسب يسوع (المنسوب إلى داود), ولا عن نسب معاصريه( عدا عائلة يوحنا المعمدان (يحيى)), ولا عن أي تاريخ مسيحي(بلى! يوجد تلميح إلى قصة وردت في سفر الأعمال المسيحي في القران. المترجم). لقد ربط موسى بيسوع, مؤمنا كما يبدوا انه بعد الوحي إلى مشرّع دين اليهود سرعان ما تبع ذلك وحي مشابه أوجد المسيحيين وكتابهم المقدس. هذا يبدوا واضحا في تعريفه لمريم أم يسوع أنها مريم أخت موسى وهارون".

نقل محمد إلى زمن سليمان حدثا وضعه الربينيون في زمن نوح. تتضمن التباسات أخرى عند محمد جعله نوح يعيش ل950 عاما إلى وقت الطوفان(السورة العنكبوت: 14, بينما هذه هي في الحقيقة كل فترة حياته(التكوين 9: 29). التبست الأمور على محمد أيضا في مسألة عمل حام (ابن نوح. المترجم) السيئ والذي طبقا لسفر التكوين (9: 22) حدث بعد الطوفان. من غير الواضح لماذا صنفت امرأة نوح كغير مؤمنة . يوجد في القرآن التباس واضح بين شخصيتي شاول (طالوت) وجدعون(سورة البقرة: 249 و القضاة 7: 5)( في سفر القضاة, القاضي جدعون الذي عاش قبل شاول (طالوت) ب 200 سنة, هو الذي قبل الجنود الذين يغترفون غرفة من الماء ورفض الآخرين أو هو الذي ابتلي بني إسرائيل في زمنه بنهر. المترجم)

خلق آدم

في سورة البقرة (30-33) نقرأ
َ30-إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونََ
31-وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
32-قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
33-قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بأسمائهم فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بأسمائهم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

تعال لنتتبع مصادر هذه الأسطورة

عندما نوى الله أن يخلق الإنسان, أستشار الملائكة قائلا, "سوف نصنع أنسانا على صورتنا"(التكوين 1: 26) فقالوا له, ما هو الإنسان الذي تتذكره ( قارن مع المزامير 8: 5), ماذا ستكون ميزته؟ فأجابهم:حكمته تفوق حكمتكم. ثم جلب أمامهم ماشية وحيوانات وطيورا . وسألهم عن أسمائهم, ولكنهم لم يعرفوها. وبعد أن خلق الإنسان, جعلهم (الحيوانات) يمرون من أمامه, وسأله عن أسمائهم فأجاب: "هذا هو الحمار وهذا هو الحصان وذلك الجمل". ولكن ما اسمك؟" "بالنسبة لي سوف يكون اسمي آدم لأنني خلقت من أديم الأرض"(مدراش ربّا شرح على سفر الأحبار ضمن باراشاه (أو فاراشا) 19, و التكوين باراشاه 8, وسنهدرين 38). (Midrash Rabbah on Leviticus, Parashah 19, and Genesis, Parashah 8; and Sanhedrin 38).

تعيد سور أخرى ذكر أن الله أمر الملائكة أن تسجد لآدم (الأعراف: 11-18, الحجر: 28-43, الكهف: 50, طه: 116, الإسراء: 61) فأطاعوا في ما عدا الشيطان. هذا يتفق مع القصة الواردة في مدراش (تفسير) رابّي موسى
قاين (قابيل) وهابيل

يعطي جيجر قصة قاين وهابيل مثال على ما ينتقده توري في أسلوب محمد القصصي حيث يتم إهمال نقاط مهمة في القصة. يشير جيجر إلى أن ما موجود في القران هو قصة غير مترابطة تماما,و قد نصل إلى فهم أوضح للصورة إذا نظرنا إلى ما هو مكتوب في مشنا سنهدرين4: 5 . مقتل هابيل في القران مستعار من الكتاب المقدس , إلا أن الحوار بين قاين وهابيل قبل أن يقتله قاين مأخوذ من ترجوم يوناثان, المعروف عموما ب سودو يوناثان (أو كتاب يوناثان المزيف) pseudo-Jonathan . يذكر القرآن أنه بعد جريمة القتل أرسل الله غرابا فنبش الأرض ليري قاين كيف يدفن هابيل.

33- فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
ِ34-منْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً

الآية 34 لا علاقة لها بما قد حدث قبل ذلك ( الاية 33). تتوضح الآية فقط إذا نظرنا إلى مشنا سنهدرين 4: 5 :-

"وجدنا انه قد قيل في حالة قاين الذي قتل أخاه:" صوت دماء أخيك تصرخ" (عبارة واردة في التوراة. المترجم). ولم تأتي كلمة دم بصورة المفرد ولكن دماء بالجمع. بمعنى دمه ودم ذريته. خلق الإنسان ... مفردا لكي يُعرف أن بالنسبة لمن يقتل شخصا واحدا يكن معلوما انه قد ذبح أمة بأسرها, لكن بالنسبة لمن أبقى على حياة شخص واحد فسيحسب كما لو انه قد أبقى على حياة امة بأسرها."

الجزء المحذوف (في القرآن, والمحذوف هو التفسير التلمودي.المترجم) يؤدي وضيفة الرابط بين العبارتين في القرآن (أي: لماذا من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا؟ جواب: لان الآية التوراتية تقول صوت دماء أخيك أي دمه ودم ذريته.المترجم) , والذي لولاه تصبح العبارتين غير مفهومتين (كما في القرآن.المترجم).

نوح

أتى جزء من قصة نوح في لقرآن بصورة واضحة من سفر التكوين, ولكن جزءا من تصوير شخصية نوح هو مستمد من المصادر الحاخامية (الاعراف: 59, يونس: 71, الحج: 42,.. ...إلخ) . الحوارات التي قام بها نوح مع قومه بينما كان يقوم ببناء الفلك هي نفسها الموجودة في سنهدرين 108, وكلا الاثنين, القرآن والكتابات الربينية تصرّح أن جيل الطوفان عوقب بالماء المغلي (إشارة إلى عبارة" وفار التنور" الواردة في القرآن. المترجم)( روش هاشاناه 16: 2 Rosh Hashanah و سنهدرين 108 قارن مع هود: 40 و المؤمنون: 27)

إبراهيم ينجو من نار النمرود

توجد قصة إبراهيم مبعثرة في سور القرآن, البقرة: 260, الأنعام: 74-84, الأنبياء: 51-72, مريم: 41-50, الشعراء: 69-89,العنكبوت: 61-25 ,الصافات: 83-113,الزخرف: 26-28, الممتحنة: 4...الخ. تدور التقاليد الإسلامية كثيرا في موضوع قصة حياة السلف (إبراهيم). وقد بين جيجر وتسدلTisdall أيضا كيف أن مصدر القصص القرآنية والتقليدية يوجد في المدراش ربّا (تفسير على الأسفار المقدسة اليهودية (التوراة) يحتوي تفصيلات وأساطير تسمى الهاجادا مضافة إلى القصص التوراتية الكتابية. المترجم). كلا المصدرين المدراشي والإسلامي يفترقان عن القصة الكتابية. في سفر التكوين نتعلم ببساطة أن النمرود كان حفيدا لحام وانه أسس إمبراطورية عظيمة. في القصة الإسلامية والمدراشية, يعاقب إبراهيم لتحطيمه الأصنام المعبودة من قبل شعب النمرود. فيرمى به في النار إلا انه يخرج سليما. وطبقا لتسدل151, كل القصة هي مؤسسة على فهم خاطئ لسفر التكوين (من التوراة. المترجم) إصحاح 15 عدد 7: " أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين". تعني أور باللغة البابلية مدينة( لا تعني مدينة ولكنه اسم علم لمدينة قديمة في ما بين النهرين.المترجم) , وكانت أور الكلدانيين بلدة إبراهيم الام. لكن كلمة "أور Ur" في اللفظ تشابه بشدة الكلمة " أور Or" التي تعني ضياءا أو نارا. وبعد سنوات ترجم معلّق يهودي هو يوناثان بن عزّيا نفس العبارة من سفر التكوين ب" أنا الرب الذي خلصك من فرن الكلدانيين الناري". عقّد المترجم خطأه بإصراره أن كل هذا حدث " في الزمن الذي رمى فيه النمرود إبراهيم في فرن النار, لأنه لم يعبد الأصنام". بالطبع , حتى لو وجد هناك شخص باسم النمرود, فليس من الممكن أن يكون معاصرا لإبراهيم لو قبلنا الوارد في سفر التكوين.
يوسف

مع أن قصة السلف العظيم (يوسف) مأخوذة أساسا من الكتاب المقدّس إلا أن توري152 Tory يبين أن هنالك تنافرا في الرواية القرآنية عن حياة يوسف في السورة يوسف, حيث السورة بأسرها مكرّسة لرواية قصة السلف, وانه فقط أن ملأنا العبارات الرابطة المهملة بمقاطع من المدراش حينها فأن القصة ستعطي معنى ما( مدراش يلقوت 146 Midrash Yalqut ).

تحاول امرأة فوطيفار (امرأة العزيز) أن تقوم بأغراء يوسف, والذي في البداية يرفض إلا انه يصبح مستعدا للرضوخ في لنهاية عندما يرى رؤيا تردعه عن ما كان سيفعله. كالعادة, يتركنا القرآن في جهل بطبيعة هذه الرؤيا. إلا انه في سوتاه 36: 2 (كتاب ديني يهودي), والذي أخذت منه الرواية, نعلم أن " قال الحاخام يوخنان,' كلاهما نويا ارتكاب الخطيئة. ماسكة إياه من رداءه قالت له:" أضطجع معي".. ثم ظهر له شكل أبيه في الشباك يناديه:" يوسف! يوسف! أسماء أخوتك سوف تنقش في أحجار الأفود (حلية مزينة باثني عشر حجرا كريما يرتديها رئيس كهنة الهيكل عند اليهود, ينقش اسم سبط واحد على كل حجر. المترجم), واسمك أيضا , أترغب في أن يمحى؟"

تسلسل القصة في القرآن لا يمكن فهمه تماما بدون الرجوع إلى المصادر, في هذه الحالة مدراش يلقوت. تستمر القصة بدعوة زوجة فوطيفار لكل النسوة اللاتي سخرن منها إلى وليمة ليتمكٌن من رؤية وسامته بأنفسهن. وفي غمرة دهشتهن يقطعن أيديهن. لا يعلمنا القرآن لماذا كن يمسكن بسكاكين , إلا أننا نتعلم من مشنا يلقوت أن ذلك لكونهن يتناولن الفاكهة.

نتعلم في القرآن أن يعقوب يخبر أبنائه أن يدخلوا من أبواب متعددة , بصورة مشابهة , وفي المدراش ربّا تعليقا على سفر التكوين (من التوراة ) تحت براشاه 91 (Parashah) , يعقوب" يقول لهم, لا تدخلوا من بوابة واحدة لا غيرها". يوافق توري على القصة .

" عندما يوجد الكأس في كيس بنيامين, يوصف انه لص, يقول أخوته," إنْ يَسرِقْ َفقَد سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبلُ ". يستنفذ المفسّرون ذكائهم في محاولتهم تفسير كيف أمكن (لهم) أن يتهموا يوسف بالسرقة. يسهل التفسير من خلال المدراش الذي يشير إلى نقطة وهي أن أم بنيامين قد سرقت قبله, مشيرين بالطبع إلى الوقت الذي حملت فيه راحيل (زوجة يعقوب وأم يوسف وبنيامين, سرقت أصنام أبيها وفرّت مع زوجها حسب القصة التوراتية. المترجم )آلهة أبيها المنزلية (سفر التكوين الإصحاح الحادي والثلاثون: 19- 35).

يخبرنا القرآن ثانية أن يعقوب عرف من خلال الوحي أن أبنه يعقوب كان ما زال على قيد الحياة (سورة يوسف: 86) ولكن نتعلم في مدراش يلقوت 143 من أين تلقى المعلومة:" سأل كافر سيدنا (فقيه يهودي), هل يستمر الميت في العيش؟ لم يؤمن آبائكم بهذا, فهل ستؤمنون أنتم بهذا؟ عن يعقوب قيل, , رفض أن يطمئن , لو أنه آمن بأن الذين ماتوا هم في الحقيقة أحياء ألم يكن سيطمئن؟ ولكنه (المعلم) أجاب: أحمق!, لقد علم بالروح القدس أنه مازال حيا حقا, ولا يحتاج الناس أن يطمأنوا بشأن شخص حي."
هود وموسى وآخرون

تفاصيل السلف هود, والذي عادة ما يعرّف بالشخصية التوراتية عابر, هي مأخوذة أيضا من كتابات حاخامية (قارن سورة هود11: 50 والمشناة سنهدرين 10: 3). تكثر استعارات أخرى في القرآن عن قصة موسى وفرعون. لنأخذ بعض الأمثلة العشوائية: في تعليق (الحاخام) راشي على سفر الخروج الإصحاح 15 العدد 27, يضيف المعلّقون اليهود أن أثنا عشرة عينا وجدت قرب أيليم وأن كل من الأسباط قد امتلك بئرا. ينقل محمد العبارة ويعلن ان اثنا عشر عينا نبعت من الصخرة التي ضربها موسى في ريفيديم. في أبودا سارهAboda Sarah 2: 2 , توجد لدينا القصة المدهشة عن تغطية الله الإسرائيليين بجبل سيناء, وذلك بمناسبة أعطاء الشريعة (لموسى). يعطي القرآن النسخة التالية (من القصة) (سورة الاعراف: 171) :" َإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " .

سليمان وسبأ

يعطي القرآن قصة سليمان أكثر من ما تستحق, خصوصا قصة مقابلته لملكة سبأ. يشير القرآن إلى حكمة سليمان بالتلميح إلى قدرته على التحدث إلى الطيور, يحمل المفسّرون اليهود نفس الرأي . نتعلم في العديد من السور أن الرياح والأرواح أطاعته وأن الشياطين والطيور والوحوش كونت جزءا من جيشه (سورة الانبياء: 81 و النمل: 16 و سبأ: 12, ص: 37). في الترجوم الثاني لأستير , نقرأ, " شياطين من مختلف الأنواع وأرواح شريرة كانت خاضعة له." يخبرنا محمد بالقصة التي تروي كيف أن الشياطين ساعدت في بناء الهيكل (المحاريب) , وأنها خدعت (بضم الخاء) بالاستمرار في البناء حتى بعد وفاته (سليمان) السورة 34. هذا مقتبس مباشرة من اليهود (جتّين 68(Gittin) ).
الاسكندر الأكبر

تتميز السورة الكهف من القرآن باحتوائها على كل أنواع المواد الخرافية والتي هي ليست من المصادر معتادة وهي العهد القديم والمؤلفات الحاخامية والتراث العربي. وقبل أن نتتبع المصادر. نبدأ بقصة موسى وغلامه في بحثهما عن مجمع البحرين والمروية في الآيات من 60 إلى 82.

عندما يصلان إلى هذا الموضع يجدان تحت تأثير وسوسة الشيطان أنهم قد نسوا السمكة الذي كانوا قد أخذوه معهم . وجدت السمكة لها طريقا إلى الماء وسبحت بعيدا. وبينما هم ينظرون إلى السمكة إذ صادفوا عبدا من عباد الله. قال له موسى انه سيتبعه أن علمه طريق الصواب . وصل الاثنان إلى اتفاق إلا أن عبد الله الصالح يخبر موسى منذ البدء انه لن يتفهم تصرفاته, وانه يجب أن لا يطلب تفسيرات . ولذلك لن يستطيع أن يصبر على رفقته. بدئوا برحلتهم , إلا انه خلال الرحلة يقوم عبد الله بأعمال ظاهرها مشين,وهذا يسبب بفقدان موسى لصبره فلم يستطع أن يمتنع من السؤال عن تفسير. عندها يجيب عبد الله :" ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صبرا". في النهاية يترك موسى وبمغادرته يعطيه تفسيرا لأعماله والتي كان لها أسباب وجيهة.

تتبع نولدكه وآخرون مصادر هذه القصة الى 1- ملحمة جلجامش , 2- سيرة الاسكندر , 3- أسطورة إيليا مع الحاخام يشوع بن لاوي.

1- ملحمة جلجامش. تحكي هذه القصيدة البابلية التي تعود الى القرن الثامن عشر قبل الميلاد القصة البطولية لصديقين هما إنكيدو و كلكامش . وعندما يموت إنكيدو يقوم كلكامش بالبحث عن الخلود لخوفه من الموت بادئا بالبحث سلفه أوتانبشتم القاطن في مصب النهرين وذلك لكون كلكامش كان مدركا أن اوتانبشتم كان الفاني الوحيد الذي تمكن من نيل الخلود. يخبره سلفه بوجود عشبة لها خاصية إعادة الشباب للشيوخ ولكنها توجد في قعر البحر فقط. في اللحظة الأخيرة تقوم أفعى بسرقة العشبة من كلكامش.
2- سيرة الاسكندر. يمكن إيجاد المصدر المباشر لسيرة الاسكندر في الآداب السريانية. في قصة الأسكندر الشعرية والتي كان مصدرها في الآخر هي سيرة الاسكندر لسودو كاليسثينيس( مؤرخ), والتي ربما تعود إلى مئة سنة قبل الميلاد. تحكي النسخة السريانية كيف أن الاسكندر و طباخه الخاص أندرياس ذهبا بحثا عن ينبوع الحياة. في إحدى المراحل كان اندرياس يقوم بغسل سمكة مملحة في ينبوع, جعلت الملامسة مع الماء السمكة تعود إلى الحياة ثانية وتسبح بعيدا. يقفز اندرياس سعيا وراء السمكة وبهذا يكتسب الخلود. وعندما يعلم الاسكندر لاحقا بالقصة, يفهم انه قد فقد توا إمكانية اكتشاف الينبوع نفسه الذي كان يبحث عن. ولسوء الحظ يفشلان في العثور على الينبوع ثانية.
3- إيليّا و الحاخام يشوع بن لاوي. تروي الأسطورة اليهودية كيف ذهب الحاخام يشوع بن لاوي في رحلة مع إيليا ( إلياس في القرآن, نبي إسرائيلي, لم يمت بل انتقل إلى العالم الآخر حيا حسب التقليد اليهودي وهو مقابل لشخصية الخضر وربما كان اصل الأسطورة. المترجم) وكما في حالة عبد الله الصالح في القرآن , يقوم إيليا باشتراط عدد من الشروط المشابهة. وثانية يقوم إيليا بعمل أشياء شنيعة ظاهريا فيؤثر هذا في الحاخام بنفس الطريقة التي تأثر بها موسى.

يقوم وينسنك Wensinck بجمع النتائج المترتبة على مقارنة كل المصادر." عرفت شخصية يشوع بن لاوي التي تعرف بها محمد من خلال اليهود والتي لا تظهر ثانية في الأساطير الإسلامية, عرفت بيشوع بن نون (يوشع بن نون). هذا التعريف ربما أدى إلى ارتباك بين معلمه إيليا ومعلم يشوع بن نون ,موسى. لهذا, يمثل موسى كلكامش والاسكندر في الجزء الأول من القصة و يمثل إيليا في الجزء الثاني"153 .

ولنختم, يظهر الاسكندر نفسه في الآيات 83 إلى 98 ك"ذي القرنين" . نحن نعلم من النسخة السريانية للأسطورة أن الاسكندر سمي بذي القرنين لان الله" تسبب بنمو قرنين على راسي, لكيما أدمر ممالك العالم بهما". تذهب الحكاية الإسلامية إلى مزج قصة جوج وماجوج مع تلك التي للاسكندر (راجع التكوين 102 وحزقيال 38).

إقتباسات أخرى

عادة ما يشير محمد إلى الله بكلمة "رب". وأحيانا "رب العالمين" ( سورة الواقعة: 80, التكوير: 29, المطففين: 6 ) 154. نجد (بالمقابل) تعبير رب ها عالمين في الطقسيات اليهودية كما نجده في القصص اليهودية. يتكلم محمد عن الله بصفته "الرحمن" (الرحمن: 1, النبأ: 37) في فاتحة كل سورة ولكنه يتكرر في مواضع أخرى من القران لأكثر من خمسين مرة. تقربا كاسم شخصي لله. يبدو أن هذا المصطلح استخدم في الجزيرة العربية قبل الإسلام. فقد وجد في النقوش العربية الجنوبية. يشك بيل Bell فيما إذا كان محمد قد اعتمد بصورة مباشرة على اليهودية وذلك لتبنيه (المصطلح). مع ذلك يشير أوبيرمان إلى أن"ها رحمن" (ها : هي أداة التعريف في العبرانية) تستخدم بكثرة في الطقسيات اليهودية كذلك. يجمع جيفري وجهة نظره هكذا:" حقيقة كون الكلمة قد وردت في الشعر القديم وانه من المعروف أنها قد استخدمت مرتبطة بأعمال الأنبياء مسيلمة الذي من اليمامة والأسود من اليمن الغريمين لمحمد, كل هذا يشير إلى مصدر مسيحي بدلا من يهودي, مع أن المسألة غير مؤكدة"155.



المسيحية

" كان لديه فكرة بسيطة عن التعاليم المسيحية, و عن ماهية الكنيسة المسيحية ,و كما أشار نولدكه منذ زمن لم يتمكن إطلاقا من الحصول على معرفة عن كثب بهذه الأشياء. فالإنسان الذي يقص قصة بهذا الغباء عن الطقس المسيحي الأساسي كما جاء في سورة المائدة: 116 احد آخر أجزاء القرآن, لا يمكن أن يكون على معرفة كبيرة بالكنيسة المسيحية"

ريتشارد بل156

كانت المسيحية متغلغلة بشكل واسع في أرجاء الجزيرة العربية ساعة ولادة محمد, ولكنها كانت على الأغلب من النوع السرياني, سواء أكانت يعقوبية (على اسم يعقوب البرادعي ناشر المذهب في سوريا , المذهب يؤمن بطبيعة إلهية فقط للمسيح. المترجم) أو نسطورية ( على اسم نسطوريوس مؤسس المذهب, المذهب يؤمن بان مريم لم تكن إما لله .فالطبيعة الإلهية حلت في المسيح بعد ولادته. المترجم). في الحيرة( مدينة عربية قبل إسلامية مسيحية في العراق , كانت قاعدة للمناذرة, أمارة عربية . المترجم) كان العديد من العائلات المسيحية مونوفيزية (تؤمن بطبيعة واحدة للمسيح. المترجم). نحن نعلم أن اللغة السريانية هي " المصدر الأكثر غزارة للاستعارات القرآنية". ومما لا شك فيه . إن القسم الأكبر من التأثير السرياني على اللغة العربية قد أتى من اللغة السريانية المستخدمة من قبل مسيحيي الحيرة. نشأ مجتمع مسيحي آخر في جنوب الجزيرة العربية في نجران, العديد من القاطنين كانوا نساطرة, ولكن قسما لا بأس به كانوا مونوفيزيين مرتبطين بالكنيسة المونوفيزية في الحبشة. وفقا للتقاليد الإسلامية, كان لمحمد نفسه ارتباطا شخصيا بمسيحيي الكنيسة السريانية. نعلم من المصادر الإسلامية أن محمدا كان قد ذهب في شبابه في رحلات تجارية الى سوريا, وهناك حكاية تروي كيف انه قد سمع في إحدى المرات لخطبة لقس ( قس (بالضم) بن ساعدة الايادي, أخطب العرب, مسيحي. المترجم) , وهو أسقف نجران, في سوق عكاظ ( سوق تنشد فيه أشعار العرب. المترجم) قرب مكة.

كان هنالك احتكاك مع الحبشة لفترة طويلة من خلال التجارة, وكان جنوب الجزيرة العربية بالتأكيد تحت السيطرة الحبشية لفترة من الزمان قبل ولادة محمد. نحن لدينا القصة المعروفة عن مجموعة من المكيين الذين تحولوا إلى الإسلام ولجئوا إلى الحبشة لتجنب الاضطهاد. يؤرخ توري الاهتمام الجديد بالمسيحية الذي استيقظ عند محمد منذ هذا التاريخ.

مع ذلك وعلى الرغم من هذا المجهود, لم يتمكن محمد من فهم عقيدة الثالوث. والموجود في القرآن عن المسيحية يستسقي من (عقائد) الفرق الهرطوقية (الفرق المسيحية التي لا تتبع المذهب السائد, عادة المذهب الملكي الكاثوليكي والأرثذوكسي. المترجم).
النوّام السبعة

نشأت أسطورة نُوام إفسوس (مدينة مسيحية سابقا, في تركيا حاليا. المترجم) السبعة حوالي نهاية القرن الخامس ومن ثم سرعان ما انتشرت في أرجاء غرب آسيا و أوروبا . وربما كان أول ظهور لهذه القصة كان في (أدبيات) سريانية يعقوب السروجي ( رجل دين وشاعر سرياني. المترجم) , أسقف سرياني (452-521), ومن ثم تم ترجمتها إلى اللاتينية من قبل غريغوريوس من تورس (540-590), ""De Gloria Martyrum (1.i.c. 95) . وكما يقول جيبّون( مؤرخ غربي. المترجم) :" قدمت هذه الأسطورة واسعة الانتشار, والتي من الممكن أن محمدا كان قد تعلمها خلال ارتحاله بجماله إلى سوريا, قدمت كوحي ألهي إلى القرآن"(سورة الكهف: 9-26). تبدأ الحكاية القرآنية كالتالي:" أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبا". و وفقا لهذه الحكاية , لجأ عدد من الفتية المسيحيين إلى كهف في الجبال للتخلص من اضطهاد الامبراطور داقيوس. وجد مضطهدوهم مخبأهم فحبسوهم هناك. نجا الفتية ب شكل عجائبي و ظهروا ثانية بعد مائتي سنة تقريبا. أختلف المفسّرون حول معنى كلمة " الرقيم" لسنوات عديدة. اقترح توري157 أن هذا الاسم المثير للفضول هو ببساطة قراءة خاطئة للاسم داقيوس في المخطوطة الآرامية.
سوء فهم لقصة مريم وعقيدة الثالوث
في السورة (مريم: 28و 29) نقرأ أنه بعد ولادة يسوع, جاء الناس إلى مريم وقالوا:" يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً ". وفي مكان آخر تسمى مريم " ابنة عمران"( سورة التحريم: 12, آل عمران: 33), و ثانية:" َلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً " . من الواضح أن محمدا قد التبس بين مريم أخت موسى ومريم أم يسوع. وقد استنفذ المفسرون جهدهم لتفسير هذا" الالتباس المدهش في المكان والزمان".

نقرأ في سورة مريم, أن مريم أم يسوع تتلقى زيارة من ملاك يخبرها بأنها ستنجب طفلا بالرغم من كونها عذراء, لكون هذا مشيئة الله. وتستمر السورة بالقول:

"فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً*فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً*فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً*وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً*فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً"

نستطيع أن نرى مباشرة مصدر هذه القصة في الكتاب الابوكريفي ( كتب يدعي انتسابها إلى مجموعة الأسفار المقدسة من قبل بعض الفرق) المسمى تاريخ ولادة مريم وطفولة المخلّص, حيث يسأل الطفل يسوع شجرة النخل قائلا," أرسلي فروعك إلى هنا في الأسفل, لكيما تستطيع أمي أن تأكل فاكهتك الطازجة. فانحنت حالا عند أقدام مريم......(ثم يأمر يسوع الشجرة قائلا)0
فجّري الينبوع تحتك.....وحالا تنتصب الشجرة وتبدأ بدفق الماء من جذورها أمامهما رائقا وعذبا"

أجزاء أخرى من القصة القرآنية مأخوذة من البروتيفانجيليوم Protevangelium من تأليف يوحنا الأصغر James the less , المكتوب باليونانية الهلنسية, وكذلك من التاريخ القبطي للعذراء.
يسوع

في سورة النساء: 157 ينفى صلب المسيح:" وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ". البعض قد حدس أن هذا كان اختراعا لمحمد, لكننا نعلم بان عدة مذاهب هرطوقية كانت قد نفت الصلب, مثال على ذلك الباسيليديين, والذين يدعون ان سمعان القيرواني (شخص يهودي من برقة أو قيريني في ليبيا صادف وجوده في أورشليم يوم الصلب فأمره الجنود الرومان أن يحمل الصليب على عاتقه تخفيفا عن يسوع. المترجم)قد صلب في محل يسوع.

هنالك أيضا حكايات مختلفة عن يسوع يكلم الناس في المهد, وينفخ نسمة الحياة في طيور من الطين (سورة المائدة: 110) .....الخ. والتي أخذت من مؤلف قبطي وهو أعمال القديس توما. في السورة 5المائدة نجد أيضا قصة نزول المائدة من السماء, والتي تعود في أصلها بلا شك إلى العشاء الذي شارك فيه يسوع تلاميذه في الليلة السابقة لوفاته.
الثالوث

تذكر العقيدة المسيحية في الثالوث في ثلاث سور.

1- فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ (سورة النساء: 171)
2- مّ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ........مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ(سورة المائدة: 75)
3- وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ (سورة المائدة: 116).

يشير المفسر الإسلامي المعتبر البيضاوي إلى أن المسيحيين جعلوا الثالوث مكونا من الله , عيسى (يسوع) و مريم, ومن الواضح أن هذه كانت وجهة نظر محمد. (الثالوث المسيحي مكون من شخصيات ثلاثة لله :الأب والابن والروح القدس. المترجم)

الميزان

كما شاهدنا سابقا, أتت الفكرة الإسلامية عن الميزان من بلاد فارس, وهي فكرة الكفتين اللتان ستوزن عليهما أعمال الإنسان في يوم الحساب. ولكن عناصر أخرى (للفكرة) أتت بكل تأكيد من مؤلف هرطوقي وهو" شهادة إبراهيم", والذي يحتمل انه يعود إلى القرن الثاني الميلادي. وهذا العمل بدوره قد جاء بمعظم أفكاره من كتاب الأموات المصري (كتاب مصري مقدس يروي رحلة الإنسان في العالم الآخر بعد موته. المترجم) .

لقد رأينا مسبقا كيف أن معراج النبي يعتمد بشكل كبير على النص الفهلوي. ولكن ثانية, عناصر كبيرة (في القصة مأخوذة من " شهادة إبراهيم". ففي هذا العمل الابوكريفي يؤخذ الأب (أبراهيم9 إلى السماء بواسطة كبير الملائكة ميخائيل و يُرى (بالضم) رؤيا لطريقين يؤديان إلى النعيم الأخروي والنار:

"نظر إبراهيم أيضا إلى بوابتين, أحداهما عريضة مثل الدرب الذي تؤدي إليه والأخرى ضيقة مثل الدرب الآخر. وخارج البوابتين شاهدا رجلا (آدم) جالسا على عرش ذهبي, بمظهر مهيب كأنه الرب. رأيا جموعا من الأرواح تقاد من قبل الملائكة خلال البوابة العريضة, ولكن قليلا من الأرواح اقتيدت من قبل الملائكة خلال البوابة الضيقة. وعندما رأى.. .... الرجل العظيم أن القليل دخلوا من البوابة الضيقة والكثير من البوابة العريضة, شد شعر رأسه وارتمى على الأرض هاويا من عرشه باكيا ومنتحبا. ولكنه عندما رأى العديد من الأرواح تدخل من خلال البوابة الضيقة , نهض من الأرض, وبفرح وابتهاج جلس ثانية على العرش.

وفقا للمؤلف الإسلامي "مشكاة المصابيح", نتعلم أن محمدا في رحلته إلى السماء شاهد آدم:"رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل يساره بكي فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت لجبريل من هذا قال هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي على شماله أهل النار فإذا نطر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكي."(رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأحمد, والكلام للبخاري. المترجم)

عين الإبرة

في سورة الأعراف: 40 نتعلم انه:" إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ " وهذا صدى مدهش لما جاء في انجيل متى19: 24 " فإن مرور جمل في ثقب إبرة أسهل من دخول غني إلى ملكوت الله" (انظر مرقص 10: 25 ولوقا 18: 25)
الصابئون

العديد من المختصين , مثل موار Muir على سبيل المثال,قد اقترحوا أن محمدا ومعاصريه في قلب الجزيرة العربية في القرن السابع لا بد لهم من أن يكونوا قد تأثروا بالصابئين. هنالك معضلة في هذا المسألة, وذلك أن المصطلح يشير إلى فرقتين دينييتين مختلفتين. وفقا لكارا دي فو Carra de Vaux في الموسوعة الإسلامية Encyclopedia of Islam, الطبعة الأولى, يشير القرآن إلى الصابئين كأهل كتاب بالإضافة إلى اليهود والمسيحيين, مما يشير إلى انه عنى بذلك المندائيين (طائفة دينية , ما زالت تمارس طقوسها في العراق, يعتقدون بفساد المادة ونقاء الروح , وان الخلاص لا يناله إلا الخاصة من أهل المعرفة, لهم طقوس تعتمد على التعميد بالماء. ويعتقدون أنهم يتبعون تعاليم يحيى-يوحنا المعمدان. المترجم) كان المندائيون طائفة يهودية-مسيحية مارست التعميد, وربما نشأت في شرق الأردن في القرن الأول ب.م أو في القرن الثاني ب. م. إلا أن بعض الباحثين ك "بل" وتوري يعتقدون انه من المستبعد أن يكون محمد قد عنى المندائيين بقوله صابئين.

المجموعة الثانية المقصودة بهذا المصطلح هم طائفة صابئة حرّان الوثنية, والذين عبدوا النجوم و اعترفوا بوجود أرواح نجمية. ومن بين تلك الأرواح نجد مدبّري الكواكب السبعة والتي تعتبر هياكلهم. ووفقا للشهرستاني (فيلسوف إسلامي له كتاب الملل والنحل في الأديان والمذاهب المختلفة وعقائدها. المترجم) , عبد بعض الصابئين النجوم المسماة هياكل بصورة مباشرة, وعبدت المجموعة الأخرى أصناما مصنوعة باليد تمثل النجوم وذلك في هياكل مبنية بيد الإنسان. فإذا اعتبرنا ان الصابئين قد أثروا في محمد نستطيع أن نلاحظ كثرة ورود الأقسام بالنجوم والكواكب في القرآن ( سورة الواقعة: 75 "فلا أقسم بمواقع النجوم", السورة 53 بعنوان "النجم" الآية الاولى تقول:" والنجم إذا هوى ") ربما قد أثر الصابئون في الطقوس والشعائر للمكيين الوثنيين كما نعرفهم, على سبيل المثال, من المحتمل أن يكون احتفاظ أهل مكة ب 360 وثنا في الكعبة و شعيرة الطواف حول الكعبة عدة مرّات رموزا لحركة الكواكب السبعة , كما يقترح موار.
المصادر

108. Goldziher (2), pp. 4-5.
109. Quoted by Anatole France in "The Unrisen Dawn," London, 1929, pp. 110-11.
110. Renan (1), p. 352.
111. Zwemer (1), p. 24.
112. Quoted by Jeffery (1), p. I.
113. Quoted by Dashti, p. 94.
114. Quoted by Dashti, p. I.
115. Quoted by Zwemer (3), p. 150.
116. Zwemer (3), p. 148.
117. Ibid., p. 150.
118. Ibid., p. 157.
119. Noldeke (1) in ERE VOL I, p. 659.
120. Noldeke (1) in ERE VOL I, p. 665.
121. Margoliouth (3) in MW vol. 20, p. 241.
122. Muir (1), p. xci.
123. Zwemer (3), p. 158.
124. Noldeke (1) in ERE Vol I, p. 660.
125. Zwemer (3), p. 159.
126. Ibid., p. 160.
127. Ibid., p. 159.
128. Ibid., p. 161.
129. Juynboll art. Pilgrimage in ERE.
130. Quoted by Bousquet in afterword to Hurgronje (3), p. 287.
131. Noldeke (1) in ERE, Vol, I, p. 664.
132. Zwemer (4) in MW, Vol, 8, p. 359.
133. Widengren art. Iranian Religions in EB, p. 867.
134. Hinnels in Numen 16:161-85, 1969.
135. Article "Zoroastrianism," in JE, pp. 695-97.
136. Goldziher (3), pp. 163-86.
137. Jeffery (1), p. 14.
138. Torrey, p. 106.
139. Tisdal1, p. 78.
140. Tisdal1, p. 80.
141. Stutley, p. 16.
142. Dowson, p. 20.
143. Jeffery (1), p. 120.
144. Quoted by Zwemer (3), pp. 126--27.
145. Macdonald in Ell article "Djinn."
146. Zwemer (1), p. 17.
147. Torrey, p. 60.
148. Torrey, p. 105.
149. Quoted by Obermann, p. 94.
150. Torrey, p. 108.
151. Tisdal1, p. 23.
152. Torrey, p. 109ff.
153. Wensinck art. AL Khadir in Ell.
154. Obermann, p. 100.
155. Jeffery (1), p. 141.
156. Bell, p. 136.
157. Torrey, pp. 46-47.

19 تعليق(ات):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي ناشرها