محرك البحث اللاديني المواقع و المدونات
تصنيفات مواضيع "مع اللادينيين و الملحدين العرب"    (تحديث: تحميل كافة المقالات PDF جزء1  جزء2)
الإسلام   المسيحية   اليهودية   لادينية عامة   علمية   الإلحاد   فيديوات   استفتاءات   المزيد..
اصول الاسلام  تأريخ القرآن ولغته  (أخطاء علمية / ردود على مزاعم الإعجاز في القرآن والسنة)  لاعقلانية الإسلام  العدالة والأخلاق  المزيد..

17‏/01‏/2008

الجذور الأبيونية لنفي ألوهية المسيح في الإسلام


بداية , احب أن أسجل هنا تقديري الخاص للبحث القيم جدا الذي تفضل به الزميل العزيز"سواح", والمعنون ب " مذهب الدوستية الغنوصي , وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم".

وأعتبر ان ما أطرحه في هذا المقال هو محاولة متواضعة لتكملة الصورة التي بدأها البحث السابق عن الجذور الفكرية للتصور القرآني عن "يسوع" المسيح ..

وانسجاما مع الفكرة الرئيسة للبحث السابق (والتي أوافق عليها تماما ), في كون محمد قد تأثر فيما زعمه في قرآنه عن "يسوع" بآراء سابقة عليه , مقتبسة بالأساس من آراء غنوصية سابقة على الإسلام بمئات السنين ..

أحببت ومن باب تدعيم تلك الفكرة , وبما يثري البحث أن أقتبس لكم جانبا مما سطره الباحث الراحل في التاريخ الإسلامي "خليل عبد الكريم " في كتابه القيم "فترة التكوين في حياة الصادق الأمين" & الصادر بمصر عن " دار ميريت للنشر والمعلومات "

وباحثنا المشار إليه رجل ينتمي لتلك المدرسة الفكرية التي أنضوي تحت لوائها , والتي أحسب أن كاتب البحث السابق يشاركني كذلك في الإنتماء إليها ألا وهي "المادية التاريخية " والتي تنبذ التفسير اللاهوتي للتاريخ , القائم على إعتبار مسيرة التاريخ البشري هي نتاج للتدخل الإلهي على الأرض .
فعلى العكس من هذا النهج الغيبي , يفسر المنهج المادي التاريخي التاريخ البشري بالإستناد لعوامل مادية من داخله تمثل أسسا تحتية : " إقتصادية, جغرافية,..الخ" لبنائه الفوقي..
أو بعبارة "لابلاس" الشهيرة لنابليون عن الله : " أن لا حاجة به في نظامي " ..
فالأنظمة الإجتماعية والمادية لا تفسر إلا بما هو موضوعي قابل للبحث والتجريب بإنتمائه للواقع المحسوس ..
وعلى هذا الأساس وحده شيد العلم الحديث في شتى ميادينه ( ومنها التاريخ) أسس إنتصاره الوليد على الفكر الغيبي الأحفوري , المنتمي لعوالم قديمة بائدة كونت بالخرافة لا العلم نظرتها
لشتى ميادين الحياة..

يحدثنا الكاتب الراحل بإيجاز عن معالم منهجه المادي التاريخي في تناول التاريخ الإسلامي بكتابه القيم " قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية " قائلا :

" لنبتعد عن الأساطير ..ولنسلم بعجزنا عن دراسة الماورائيات دراسة موضوعية , ولنتحاشى
العواطف الفجة , والإجابات المعلبة..
بعد أن نفعل ما سبق يصبح المطمح واضحا ومحددا , وهو إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي بمنهج علمي يتلمس الطريق إلى الحقائق الموضوعية الكامنة وراء الأحداث.."

وعلى هذا الأساس المادي التاريخي , وعبر العشرات من المصادر الموثقة , يقدم باحثنا رؤيته عما أسماه" فترة التكوين " لمحمد (التكوين الفكري) , والتي مثلت بنظر الباحث الأساس المعرفي الذي بنى عليه محمد دعوته , وتغطي هذه الفترة بنظر الباحث " الخمسة عشرة" عاما السابقة لدعوته منذ كان زوجا لخديجة بنت خويلد في الخامسة والعشرين من عمره ..
تلك الفترة التي يراها الباحث حاسمة في بناء ثقافة محمد بالتوراة والإنجيل , والتي كان لقريب زوجته , المسمى " ورقة بن نوفل" دورا كبيرا ومهما في بنائها !
وهو الرجل الذي تبحر في علمه بالتوراة والإنجيل ..

ويرى باحثنا أن محمدا قد تأثر بأفكار ورقة هذا ,والذي آمن بوحدانية مجردة بالله , وبأن المسيح لم يكن إلا نبيا , فأنكر بذلك تماما ألوهية المسيح …

والنظرة السابقة عن ألوهية المسيح بنظر الباحث أخذها ورقة عن طائفة من اليهود المتنصرين إستوطنت التخوم الشمالية لشبه جزيرة العرب , وجنوب الشام , حملت فكرها نقلا عن إحدى الجماعات الغنوصية المسماة بالأبيونيين ..

فمن هم الأبيونيين ؟

يحدثنا د. رمسيس عوض في كتابه " الهرطقة في الغرب" عن هذه الفرقة كإحدى الفرق التي ظهرت في القرن الأول الميلادي ضمن من أسمتهم الكنيسة بالهراطقة , قائلا:

" الأبيونية _ وهي كلمة عبرانية معناها الفقير أو المسكين _ حركة قريبة الشبه بالتهويدية( إحدى حركات الهرطقة في القرن الأول الميلادي) من حيث استمساكها بدرجات متفاوتة بالتعاليم الموسوية , انتشرت في فلسطين والمناطق المجاورة مثل قبرص وآسيا الصغرى حتى وصلت إلى روما . وبالرغم من أن معظم أتباعها من اليهود فقد اتبعها عدد من الأمم ( أي من غير اليهود) . ظهرت الهرطقة الأبيونية في أيام المسيحية الأولى لكنها لم تصبح مذهبا له أتباعه ومريدوه إلا في أيام حكم الإمبراطور "تراجان" (52 _117 م).
واستمرت في البقاء حتى القرن الرابع الميلادي فيما يقول المؤرخون أو نحو منتصف القرن الخامس الميلادي فيما يقول الأنبا " جريجوريوس"…

…ويقسم الباحثون "الأبيونية " إلى ثلاثة أنواع :
1- الأبيونية الفريسية المتطرفة .
2- الأبيونية المعتدلة
3- الأبيونية الأسينية.

نبدأ بالنوع الفريسي المتطرف فنقول أنه أكثر الأنواع الثلاثة شيوعا واستمساكا على نحو حرفي بالشريعة الموسوية. أنكر المسيحيون الأبيونيون عذرية مريم واعتقدوا أن المسيح بشر
لا يختلف عن موسى وداود وأنه ثمرة علاقة جسدية ربطت مريم بيوسف , وحافظوا على السبت وسائر نظم اليهود ورفضوا الإعتراف بالأناجيل الأربعة باستثناء نسخة عبرية شائهة
وممسوخة من إنجيل "متى" لم يعد لها وجود الآن .كما أنهم أنكروا ألوهية المسيح وذهبوا إلى
أنه مجرد إنسان هبط عليه الروح القدس عند تعميده في طفولته على هيئة حمامة وأن هذا الروح القدس تركه وقت الصلب …

… يقول الأنبا "جريجوريوس" في كتابه " علم اللاهوت المقارن" إن الأبيونيين الفريسيين
اتسموا بالتزمت وأنكروا لاهوت المسيح " ولم يعترفوا بوجوده الإلهي قبل التجسد ورفضوا
أن يعتبروه اللوجوس أو كلمة الله وحكمته , كما أنكروا ميلاده المعجزي من العذراء .."..

… وقد حملت جماعة الأبيونيين الفريسيين حملة شعواء على القديس "بولس" وأنكروا رسوليته بسبب استماتته للحيلولة دون تهويد المسيحية أو احتوائها في إطار الشريعة الموسوية…

…وعلى الرغم من هرطقة الأبيونيين الفريسيين فقد أدى واحد منهم واسمه "سيماكوس" خدمة جليلة للعالم المسيحي نحو نهاية القرن الثاني أو بداية القرن الثالث بترجمة العهد القديم إلى اليونانية. وهي ثالث ترجمة قيض لها الظهور في تاريخ المسيحية بعد ترجمة كل من اكويلا
وثيوديون له .ويمتدح العلامة "جيروم" الذي عاش في القرن الرابع الميلادي ترجمة "سيماكوس"اليونانية بمقارنتها بالترجمتين الأخريين..
… والجدير بالذكر أن ترجمة سيماكوس تركت أعمق الأثر في "جيروم" أثناء إضطلاعه بترجمة الكتاب المقدس إلى اللاتينية…

…. أما النوع الثاني من الأبيونيين فيسميه الأنبا " جريجوريوس" الأبيونيين المعتدلين الذين
استمروا حتى أيام القديس أيرنيموس "342_ 420م" ويتفق هذا النوع الأول من الأبيونيين
على أن يسوع هو المسيح المنتظر وعلى إنكار لاهوته …
… ويتساهل الأبيونيون المعتدلون فيذهبون إلى معجزة ميلاد المسيح من مريم العذراء…

… وقد انبثق من الأبيونية بنوعيها الأول والثاني نوع ثالث من الهرطقة يعرف بالأبيونية
الغنوصية أحيانا والأبيونية الأسينية أحيانا أخرى (نسبة إلى إيسين وهي جماعة سرية ظهرت
قبل المسيحية بنحو مئة وخمسين عاما) وتميل هذه الجماعة الأبيونية الثالثة إلى التأملات الصوفية وإلى الزهد والتقشف …
…وقد رفضت الأبيونية الغنوصية الجانب الأكبر من تاريخ اليهودية واعتبرته انحرافا عن صحيح العقيدة الموسوية.ولهذا نبذت الإيمان بالعهد القديم باستثناء الأجزاء الخمسة منه الموحى بها إلى موسى …
… وأيضا ذهبت الأبيونية الغنوصية إلى تقسيم الأنبياء إلى نوعين : أنبياء الحقيقة مثل آدم ونوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب وقارون وموسى وأنبياء الفهم (وليس الحقيقة) مثل داوود وسليمان وأشعيا وأرميا. وإلى جانب إنكارهم فيما يبدو لبعث الأجساد ونشورها .
يرفض الأبيونيون الغنوصيون مذهب التثليث أي الإيمان بالآب والإبن والروح القدس .ولكنهم
آمنوا بنوع من الثنائية الغامضة فذهبوا إلى وجود قوتين إلهيتين تتمثل إحداهما في مبدأ ذكر هو إبن الله الذي اعتقدوا أنه تجسد في آدم أول الأمر ثم يسوع في آخر الأمر .وتتمثل الأخرى في الروح القدس . ويبدو أن هذه الجماعة مارست الإيوخارست (سرالمناولة) من الخبز الخالي من الخميرة والماء بدلا من الخمر التي درجت المناولة في المسيحية على استخدامه ..

… ويقول الأنبا "جريجوريوس " إذا كانت الأبيونية الفريسية قد ورثت تعاليمها من الكنيسة اليهودية فإن الأبيونية الأسينية هي ثمرة الخلط بين المسيحية والمذهب اليهودي الأسيني وبعض المباديء التصوفية الغنوسية والشرقية".

( إنتهى هذا الإقتباس المختصر بتصرف عن كتاب د. رمسيس عوض " الهرطقة في الغرب" )

ويقدم لنا الباحث "خليل عبد الكريم" هؤلاء الأبيونيين من عدة مصادر أخرى في كتابه السابق المشار إليه سابقا :

(" وأظهر ما تتميز به عقيدة هؤلاء الأبيونيين تمسكهم بالتوحيد المجرد , وإنكارهم دعوى تأليه المسيح واعتباره مجرد إنسان نبي والتزامهم بكتب موسى والأنبياء وما تقضي به من شعائر وفروض "/ عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية –حسني يوسف الأطير).

(" ومن بين اليهود الذين قبلوا المسيح وكان هناك من دخلوا في شركة كاملة مع إخوانهم الأممين ولم يدعوا أي امتياز لأنفسهم عنهم استنادا إلى الناموس ..وذلك بإصرارهم على ضرورة حفظ الناموس ..وعلى هذا فقد انتقلوا من كونهم حزبا في إطار الكنيسة إلى وضع شيعة خارجة عنها ونجدهم في نحو منتصف القرن الثاني وقد أصبحوا زمرة من الهراطقة ..
وبعد ذلك بوقت قصير صنفهم الكاتبون تحت اسم (الأبيونيين) ..ولقد أنكروا أن يكون بولس رسولا ولم يستخدموا سوى إنجيل متى بل وفي صورة مشوهة وكان ..رأيهم أن المسيح رجل عادي حبل به بالشكل العادي ولم يتميز سوى ببره وعطية الروح القدس السامية …ومن ناحية أخرى يتحدث العلامة "أوريجانوس " عن طائفتين من الأبيونيين ويوضح أن إحدى الطائفتين تنكر الحمل العذراوي بالمسيح , بينما تؤيد ذلك الطائفة الأخرى … واتخذوا لهم لقب الناصريين … وهم يتحدثون الآرامية , وكان لهم إنجيلهم الخاص و… استخدموا إنجيل متى … "/ موسوعة آباء الكنيسة- المجلد الأول – الهرطقات النابعة من اليهودية أولا الأبيونيون والناصريون ).

( " يمكننا وصف الأبيونيين عموما بأنهم المسيحيون من اليهود الذين عملوا على الإحتفاظ بقدر الإمكان على تعاليم العهد القديم ..ويقول "جيروم " من القرن الرابع إنه وجد في فلسطين
مسيحيين يعرفون باسم ناصريين وأبيونيين ولا نستطيع الجزم هل كانا مذهبين أو أنهما كانا
جناحين لمذهب واحد… وإنجيل الأبيونيين أو إنجيل الإثنى عشر رسولا كما كان يسمى يمثل
مع "إنجيل العبرانيين " … الروح المسيحية اليهودية … ويقول "إبيفانيوس" 376م أن الناصريين لديهم إنجيل متى في صورة أكمل في العبرية الآرامية"/ دائرة المعارف الكتابية الجزء الأول – وليم وهبة )

ويسلط الباحث مزيدا من الضوء على إختلاف الأبيونيين مع رؤية "بولس" الرسول , والقائل
بألوهية المسيح :

( "إن الفرقة البيونية تقول إن بولس مرتد وكانت تسلم بإنجيل متى , لكن كان هذا الإنجيل عندها مخالفا لهذا الإنجيل المنسوب إلى متى الموجود عند معتقدي بولس الآن في كثير من المواضع , ولم يكن البابان الأولان فيه . فهذان البابان وكذا كثير من المواضيع محرفة عند
هذه الفرقة … "/ إظهار الحق- الشيخ رحمت الله بن خليل الهندي –نقلا عن "عقائد النصارى
الموحدين" للأطير )

و لنلاحظ هنا بوجه خاص الجذور الأولى لفكرة التحريف كتهمة كانت تقذف بها بعض الفرق اليهودية/ المسيحية بعضها البعض , والتي تبناها "محمد" بعد ذلك على نطاق واسع..ولنتابع
إذا إقتباساتنا في السياق ذاته…

( " وكان كيرنثوس الذي عاصر الحواريين يؤكد أن الإصحاحيين الأولين في إنجيل متى , والمشتملين على قصة ميلاد يسوع لم يكونا أصلا في النسخة العبرانية , بل هما من إضافة
شيعة شاؤول (بولس) دعاة تأليه إبن مريم "/ عقائد النصارى الموحدين – الأطير )

فالإنجيل الخاص للأبيونيين إذا والمخالف لإنجيل "بولس" بحسب موسوعة آباء الكنيسة هو إنجيل "متى" , وهوالذي إعترض الأبيونيون على ما رأوه إضافات إليه من عمل بولس وشيعته بما يدعم وجهة نظر بولس في تأليه المسيح..

هذا الإنجيل الأبيوني الخاص هو ما يسمى بإنجيل العبرانيين ..وهو الذي تمسك به الأبيونيون
به كإنجيل خاص بهم مهملين باقي الأناجيل ..

( " وقد استكملوا فقط ما يدعى إنجيل العبرانيين ولم يبالوا كثيرا بالأسفار الأخرى" & " من المحتمل أن يكون إنجيل الناصريين هذا هو الأصل العبراني لإنجيل متى ثم طرأت عليه توسعة وتعديل"/ عقائد النصارى الموحدين/ الأطير)

ويضيف المؤلف نقلا عن الشيخ محمد الغزالي بحسب زعمه , عن الأبيونيين وما نشب بينهم
وبين بولس من صراع حول تأليه المسيح :

( وقد تعرضوا من فرقة بولس المغيرين لدين المسيح للإضطهاد ومن ثم فروا بدينهم خارج فلسطين بعد أن وسمهم شاؤول أو بولس وزمرته بالهرطقة , ومنهم الجماعة التي وصلت إلى جزيرة العرب وتلك التي إستوطنت حدود الشام التي على مشارفها )


ونخلص إذا من مجمل هذه الإقتباسات المطولة , إلى أن ما قد يفهم منها , أن جماعة " الأبيونيين" متعددة الآراء والفرق كانت في الأساس جماعة يهودية النزعة رأت في المسيحية إمتدادا لليهودية بما ينتج عنه أن المسيح لم يكن إلا بشرا و نبيا يهوديا في زمرة الأنبياء الإسرائيليين..

فلما إخترع "بولس " قصة ألوهية المسيح والتي مزج فيها عقائد الفداء السائدة بالمنطقة المتوسطية كالعقيدة الأوزيرية المصرية , وعقائد آلهة الفداء الأخرى "ميثهرا"& "تموز"& "ديونيسيوس"..الخ مزجها بالفلسفة اليونانية لاسيما فلسفة الكلمة واللوجوس الرواقية فأسس من ذلك كله إنطلاقا من واقعة صلب المسيح مفترضة الحدوث , أسس ديانة جديدة تتسق مع المزاج الهليني الذي تمتزج فيه ثقافات الشرق بالغرب , وترتكز على الميراث اليهودي المقدس , وتنافس عقائد الفداء المماثلة ..

رأى الأبيونيون في ذلك إنتقاصا من اليهودية ذاتها , بتأسيس دين مستقل عنها فنشبت بينهم
وبين "بولس" وحزبه (الذي قدر له الإنتصار المؤثر فيما بعد بعدة مئات من السنين بديانته
المسيحية الجديدة"يهودية الجذر" على عقائد الفداء الأخرى , ليصنف مخالفوها في زمرة الهراطقة!) نشبت بينهم صراعات قادت هؤلاء " الأبيونيين" إلى شمال الجزيرة العربية , وتخوم الشام المجاورة لها , وتركوا أثرا فكريا من بعدهم في نصارى هذه البقعة يتمثل في نفي ألوهية المسيح , وفي كونه محض رسول قد خلت من قبله الرسل ..

لننتقل بعد ذلك مع الباحث إلى "ورقة بن نوفل" ذلك الرجل النصراني العالم بالتوراة والإنجيل , وإبن عم زوجة محمد : "خديجة بنت خويلد" :

( " كان ورقة من هؤلاء الذين اعتنقوا النصرانية , وكان يعد من أعلم رجال مكة بالنصوص
المقدسة , ولقد عاش ما عاش مع رهبان الشام../" محمد رسول الله" _ناصر الدين آتيين دينييه
وسليمان بن إبراهيم )


(… حفظ من النصرانية ما حفظ ووعى من علم الأحبار والرهبان ما شاء الله أن يعي , ثم عاد بهذا كله إلى مكة فأقام فيها … / "على هامش السيرة" _طه حسين)

وأن خديجة ..كانت تزور إبن عمها ورقة بن نوفل , وكان قد تنصر وقرأ الكتب , وسمع من أهل التوراة والإنجيل … / " السيرة النبوية للندوي" ).

( ..ويكتب " يعني ورقة" من الإنجيل بالعربية ..لأن ورقة تعلم اللسان العبراني والكتاب العبراني , فكان يكتب الكتاب العبراني كما كان يكتب الكتاب العربي لتمكنه من الكتابين واللسانين ../ "فتح الباري"_ "إبن حجر العسقلاني" )

( "أن القس " يقصد ورقة بن نوفل" , قريب خديجة زوجة محمد" كان يؤوب إلى ما بقى من الرهبان على دين عيسى الذي لم يبدل , وهم الشيعة أو الفرقة النصرانية التي لم تزعم أن إبن
مريم إله يعبد مع الله , وهم النصارى الموحدون أو النصارى المتهودون أو الأبيونيون"/ نقلا عن "إبن حجرالعسقلاني" في كتابه "فتح الباري/ ج1).


وحينما علم "محمد" بوفاة "ورقة " :

("… قال ورقة : لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا
مؤزرا . ثم لم ينشب ورقة أن توفي , وفتر الوحي ..حتى حزن رسول الله..فيما بلغنا فغدا
من أهله مرارا لكي يتردى من شواهق جبال الحرم "/ السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين _ محب الدين أحمد الطبري )

… ولنطالع بعد ذلك مع الباحث جانبا مما جاء به محمد في قرآنه عن "يسوع" المسيح :


( "إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه"/ النساء 171 )


( " ما المسيح إبن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل "/ المائدة 75 )


( " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح إبن مريم " / المائدة 71&72 )

( " ذلك عيسى إبن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه" /مريم 23 )

( " قال إني عبد الله أتاني الكتاب , وجعلني نبيا "/ مريم 19 )

وأترك باحثنا "خليل عبد الكريم" وكتابه قليلا , لأنتقل سريعا ومؤقتا إلى الباحث:
"حسين العودات" في كتابه " الموت في الديانات المشرقية" , لنقف معه على أمر هام يخص المسيحية عموما بكل مذاهبها يتمثل في وجود كثيرين بشبه جزيرة العرب كانوا على علم بتلك الديانة, جلس محمد إلى بعضهم :

("… وكان في شبه الجزيرة العربية , آلاف العبيد والموالي على النصرانية , ولم تخل مدينة
أو قبيلة منهم , فكان في مكة وفي الطائف وفي يثرب وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب ,
رقيق نصراني , كان يقرأ ويكتب ويفسر للناس ما جاء في التوراة والأناجيل , ويقص عليهم
قصصا نصرانيا , ويتحدث إليهم عن النصرانية , ومنهم من تمكن من إقناع بعض العرب في
الدخول في النصرانية… " / المفصل في تاريخ العرب_ جواد علي )

("… حتى أن قريشا اتهمت الرسول في بدء دعوته بأنه يأخذها عن غلام أعجمي , وقال ابن
هشام في السيرة النبوية : وكان رسول الله.._فيما بلغني_ كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر , عبد لبني الحضرمي , فكانوا يقولون : والله ما يعلم محمد
كثيرا مما يأتي به إلا جبر النصراني … وفيه نزلت الآية القرآنية :" ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ").. إنتهى الإقتباس

وتعليقي على منطق محمد في هذه الآية , ولماذا إذا كنت تجلس كثيرا إلى رجل لم تكن تفهم لغته تماما أو ربما بصعوبة ؟.. هل كنتما تستمعان بحديث لا تفهمان منه إلا القليل أو ربما
لا تفهمان شيئا على الإطلاق ..فتكتفيان بمتعة الصمت , وأن يتأمل كلاكما الآخر لمدد طويلة !!!!!!!!!

وفي السياق نفسه نعود للباحث " خليل عبد الكريم" وكتابه , لنعلم أن محمدا قد عرف أشخاصا , نصرانيين أبيونيين(؟!) ك: بحيرا وسرجيوس ونسطورس وانسطاس وعداس وميسرة وناصح , و أن الأخيران هما غلامان لزوجته خديجة !!!

وبعض هؤلاء الذين أوردهم الباحث إلتقاهم محمد في سفره للشام في تجارة زوجته خديجة !

وإن كان "خليل عبد الكريم" , في كتابه الذي إعتمدت عليه بشكل رئيس هنا , قد ذهب بشكل شبه صريح إلى أن " خديجة بنت خويلد" و إبن عمها " ورقة" قد أشرفا على إعداد محمد فكريا
فلا يسعني إلا أن أتحفظ بشدة حيال ذلك لإفتقاري لبرهان مقنع , وكاف على هذا القصد المزعوم؟! ..

ومن ذلك الحديث السابق يفهم أن ماورد بقرآن محمد , عن نفي ألوهية المسيح وبنوته لله
لم يكن من الصعب على محمد أن يعرفه أو أن يقول به في غياب وحي مزعوم وهو قريب الصلة جدا , برجل كورقة تأثر بهذه الفكرة التي قال بها النصارى الأبيونيين المعاصرين لهما آنذاك, أولئك الذين عرفهم ورقة عن قرب حين مكث بينهم في الشام يستمع إليهم ويحاورهم قبل أن يستقر بمكة , و هي الفكرةالتي تتفق كذلك مع ميل محمد للتوجه الحنفي اليهودي التوحيدي ,هذا التوحيدالذي يمثل الوجه العقائدي للحلم السياسي بدولة عربية قرشية موحدة..
ناهيك عن معرفة محمد بالتيارات الفكرية المسيحية الأخرى عبر أشخاص عديدين , بعضهم
كانوا من عبيد زوجته !!
والعجب كل العجب ممن يرون في ذلك الشأن الأرضي إعجازا , لا سبيل لعلم به إلا بوحي من السماء مجنح !!!!!


ولا يسعني في الختام إلا الإكتفاء بأن أرجح جدا أن محمدا بصفة عامة , لم يكن كما يزعم سدنة التدين المدرسي الإعلامي في عصرنا ,كان رجلا حوله جهله بالقراءة والكتابة إلى إنسان بلا ثقافة , معزول تماما عن أي معرفة , فلا يكون للوارد في قرآنه من مصدر أمامنا وفقا لتلك الرؤية إلا أن نقبل بإيمان أعمى بالوحي المزعوم كمصدر وحيد لتلك الثقافة …

لقد عرف محمد خلال حياته أناس كثيرون , كانوا على ثقافة واسعة بشتى ألوان التيارات الفكرية والدينية السائدة آنذاك , بعضهم كان من خاصة أهله وأقاربه كجده عبد المطلب المطلع على اليهودية وأحد كبار أتباع ومنظري التيار الحنفي , مرورا بقريب زوجته "خديجة" ورقة بن نوفل ( البطل المجهول لهذا المقال !!) , وصولا إلى أقطاب ثقافية مرموقة بمعايير هذا الزمان من شعراء وغيرهم من مفكرين نصارى وأحناف من أمثال : " قس بن ساعدة"
الذي قال عنه محمد بأنه يبعث يوم القيامة أمة وحده لما إستمع إليه قبل الإسلام , و"امية بن أبي الصلت" الذي كان محمد يستزيد من سماع شعره وقال عنه " أنه آمن شعره وكفر قلبه", حيث إعتقد أمية أنه بالنبوة أولى من محمد لما تميز به من علم غزير , ومات في الطائف ,قبل محمد بعامين كافرا بمحمد ودعوته !!
و"زيد بن عمرو بن نفيل "… و"زهير بن أبي سلمى" الخ…


ولنختتم كلامنا السابق بما تحدث به الباحث "حسين العودات" في كتابه المشار إليه سابقا
والذي يعبر عما أردت أفضل تعبير, يقول:

( … أن صلات العرب مع الأديان والتقافات العالمية كانت قائمة , بغض النظر عن عمق
درجتها , ولم يكن العرب في شبه جزيرتهم , بعيدين عن التيارات الثقافية والحضارية الإنسانية ومعطياتها , فمن سكن مكة أحاط بعلم العرب العاربة وأخبار أهل الكتاب , وكانوا يدخلون البلاد للتجارة فيعرفون أخبار الناس . وكذلك من سكن الحيرة وجاور الأعاجم علم
أخبارهم , وأيام حمير وسيرهم في البلاد , وكذلك من سكن الشام خبر بأخبار الروم وبني إسرائيل واليونان , ومن وقع بالبحرين وعمان فعنه أتت أخبار السند وفارس , ومن سكن اليمن علم أخبار الأمم جميعا , لأنه كان في ظل الملوك السيارة..
وإن أهمل المؤرخون العرب نسبيا , تأريخ حياة العرب الفكرية والدينية قبل الإسلام لضرورات الدعوة الإسلامية(!!!!!!!!!!!!!!!!!) , ولئن بالغ بعضهم في البحث عن سلبيات
تلك المرحلة والحديث عنها , فإن ذلك لا يلغي وجود ثقافة متعددة الجوانب , مطلعة على الثقافة الإنسانية بشكل أو آخر.. )

وكذلك :

( ..فإن ظهور الإسلام لم يكن قفزة في فراغ , لأن التطور الإقتصادي والإجتماعي والفكري العربي , وصل إلى مرحلة متقدمة قبيل ظهور الإسلام , كان بالإمكان معها إستيعاب رسالة الإسلام ..)

فما جاء به محمد بنظري هو محض دين وضعي بشري هو جماع لأديان عصره وثقافاته التي وعاها من يهودية , ومسيحية , وحنيفية , بل ووثنية أسطورية بعضها معاصر , وبعضها عتيق غابر في الأولين..و ليس زعمه بالأصل الإلهي الغيبي لدينه هذا إلا سنة في الأقدمين , يبطلها المنهج المادي التاريخي العلمي المعاصر والمحايد , وهو المنهج الذي تصر جموع المتدينين على تعطيله فقط حينما يتصل الأمر بدينها , وربما قبلته بفصام بارد حين تنظر لمعتقدات الآخرين , وتاريخها !!!!! .

أعتذر جدا للإطالة, مع خالص شكري لكل من تحمل عناء قراءة ما كتبت , ومرحبا بكل
نقد بناء من جميع زملائي المحترمين.


الكاتب: الغريب المنسي

المصدر: شبكة اللادينيين العرب

====================
مواضيع ذات علاقة:
فهرس مقالات شبكة اللادينيين العرب في المدونة

2 تعليق(ات):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي ناشرها